فهرس الكتاب

الصفحة 19966 من 27345

أولاهما: رسم خارطة عمل قديرة على احتواء كل نشاط إسلامي على مدى عالم الإسلام كلّه، والتنسيق بين مفرداته وجعلها تمضي صوب البؤرة الواحدة.

وثانيهما: تحفيز إرادة العمل والعطاء والإبداع على كل المستويات لإنضاج المزيد من الثمار وإغناء المشروع على مستوى الكم والنوع على السواء.

بمعنى أن أي جهد روحي أو تربوي أو سياسي أو دعوي أو حركي .. أي إضافة علمية أو فكرية أو ثقافية.. أي بحث ينجز أو كتاب يؤلف .. أي مؤسسة تقوم، وأي تجربة أو خبرة تستمد مقوماتها من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- يمكن أن تقود جميعها

إلى المطلوب، شرط توفر قيادة فكرية ذات نمط عالٍ من الكفاءة والمرونة والتحرّر من وقر الماضي .. تأخذ على عاتقها مهمة تجميع الطاقات والتنسيق بينها للتحقق بأقصى حالات الوفاق في المعطيات الإسلامية على مدى جغرافية الإسلام.

قد يكون هذا مطلبًا صعبًا قبالة تحديات التمزّق الفكري والسياسي، وضغوط العزلة والقطيعة، بل الخصومة والعداء التي تحكم علاقات الإسلاميين في العالم.

والجواب يكمن هنا بالذات: إن المشروع البديل بصفته خطابًا حضاريًا يهم الأمة كلها، لن يكون بأكثر من حركة في الفراغ ما لم تُحرث الأرض جيدًا، وتُنقّى من الدغل والأعشاب الضارة، وتهيأ للزرع الجديد الذي يمكن بما أُتيح له من شروط أن يستوي على سوقه لكي يعجب الزراع.

وعلى ذلك فإن المشروع يقتضي جهدًا مزدوجًا ـ ها هنا أيضًا ـ يقوم أولهما على الهدم والنفي ويمضي ثانيهما للبناء والتأكيد.

ثانيًا: مطالب اللحظة التاريخية

إن مشروعًا حضاريًا يُصاغ في القرن الحادي والعشرين هو غيره في قرن مضى، وأن المعادلة الصعبة تكمن ها هنا: التحقق بالشخصية الإسلامية في مستواها الحضاري قبالة شبكة معقدة من المتغيرات والتأثيرات وعوامل الشد والتحديات؛ وأيضًا قبالة سيل لا ينقطع من المعطيات المتجددة المزدحمة التي تتطلب جوابًا"فقهيًا"يحفظ على هذه الشخصية ملامحها المتفردة ويعينها على الإخلاص لثوابتها"الشرعية".

إننا عبر لحظتنا التاريخية الراهنة، مدعوون ـ مثلًا ـ لتقديم جواب محدد إزاء جل المفردات القادمة من حضارة الغرب المتفوقة، والتي اقتحمت علينا حياتنا وخبراتنا حتى أبعد نقطة فيها. بمعنى أن صياغة المشروع الإسلامي يتطلب جهدًا مزدوجًا ها هنا أيضًا: بناء المعطيات الإسلامية ابتداءً، وقبول أو رفض أو انتقاء مفردات الآخر في ضوء معايير شرعية مرنة وصارمة في الوقت نفسه.

إننا مرغمون على أن ندخل حوارًا مع حضارة الآخر. والهروب من المواجهة سيقودنا إلى العزلة والضمور .. كما أن قبول مفردات الآخر سيفقدنا خصائصنا، ولابد من تجاوز الحدّين المذكورين باتجاه صيغة عمل تسعى إلى أكبر قدر من توظيف المعطى الغربي المناسب لمشروعنا الحضاري.

إن أسلمة المعرفة ـ مثلًا ـ هي واحدة من هذه المحاولات: التعامل مع العلم الغربي، أو جوانب منه، بصيغة تضعه في نهاية الأمر في مكانه المناسب من خارطة المنظور الإسلامي للحقائق والنواميس والأشياء.

والاستجابة لمطالب اللحظة التاريخية ضرورية على مستوى آخر، فإن جغرافية عالم الإسلام في أخريات القرن العشرين وبدايات القرن الذي يليه ليست سواء ـ وظروفها التاريخية ليست سواء هي الأخرى ـ والتاريخ كما هو معروف لا يُقاس بالمسطرة والبركال، ولابد إذن من البحث عن مشروع ذي مفاصل مرنة ومتغيرات شتى، تقوم على ثوابت مشتركة .. نعم وبكل تأكيد، ولكنها تقر بالتغاير الذي يسمح لكل بيئة إسلامية أن تختار أسلوب العمل المناسب الذي يخدم قضية النهوض الحضاري، وينسج خيوط المشروع البديل.

فهنالك بيئات قد تصلح للنشاط العلمي أو الفكري ـ أو الثقافي عمومًا ـ ولكنها لا تتقبل النشاط التربوي أو الدعوي أو الحركي أو السياسي .. وبيئات أخرى قد تكون مهيئة للعمل المؤسسي وتتأبى على أي نشاط يخرج عن هذا النطاق .. وهكذا.

فإذا استطعنا أن نتقبل هذه الحقيقة التي قد تبدو للوهلة الأولى نقيضة لوحدة المشروع، وأن نحوّلها إلى أداة بناء وإغناء، بمفردات متغايرة تتحرك باتجاه هدف واحد، ووفق

ثوابت موحدة، كنا قد وظفنا ضرورات الاختلاف للتحقق بوحدة (موزاييكية) متناسقة تنطوي في الوقت نفسه على تنوّعها الذي يصعب تجاوزه أو القفز عليه، وتعطيه الفرصة للتحقق في إطار الإسلام، تمامًا كما حدث عبر تاريخنا الإسلامي الذي شهد أممية مرنة استطاعت الجماعات والأقوام والشعوب خلالها أن تعبّر عن نفسها وأن تتحقق ذاتيًا على المستوى الثقافي، ولكنها ظلت ـ في الوقت نفسه ـ إلا في حالات استثنائية ـ مخلصة في ممارساتها إلى حد كبير، لوحدة الهدف والمصير.

ثالثًا: الأنا والآخر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت