إننا لا نستطيع أن نقنع الآخر بمشروعنا ما لم نحوّل هذا المشروع من مستوياته التنظيرية إلى واقع نعيشه نحن، ونقتنع بجدواه وضرورته. بمعنى أن علينا لمديات زمنية قد تطول كثيرًا ألاّ نتحدث عن تقديم مشروعنا للغربي الحائر قبالة انهيار مذاهبه الشمولية ونظمه وأنساقه الفكرية وفلسفاته وأديانه المحرفة.
إن محاولة كهذه أشبه بقفزة في الفضاء، ولابد أولًا من أن نتقدم بهذا المشروع لذوات أنفسنا قبل أن نتحدث عن مآزق الآخر وحاجته إلى البديل.
إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يتوجه بخطابه إلى حكام العالم قبل أن يقيم دولة الإسلام، ويمكّن لعقيدتها وشريعتها في الأرض .. ومن ثم فإن رسائله إلى الأباطرة والملوك والأمراء ما كان يمكن أن تمضي إلى هدفها في العصر المكي، إذ لم يكن المشروع الإسلامي قد حقق فرصته التاريخية، بصيغة دولة ذات شريعة تملك القدرة على دعوة الشعوب والحكام خارج جزيرة العرب.
إن عددًا من المتحدثين عن المشروع الحضاري يخلطون الأوراق ويتخيلون وهم يتحدثون عن المشروع أن مهمتهم تقديم مشروعهم هذا ناجزًا للآخرين .. وينسون أنهم هم أنفسهم
لا يعرفون الكثير من مطالب المشروع؛ فضلًا عن كونه لم يدخل مرحلة التنفيذ الشامل بعد ـ وأنه ـ بدلًا من ذلك يتحتم استدعاء كل الطاقات الإسلامية، في شتى مستوياتها، لجعل معطياتها تصب، وفق تصميم مرن مرسوم بعناية، في الهدف المرتجى من أجل البدء بنسج المشروع الذي ينتظره المسلمون أنفسهم، والذي يمثل بالنسبة إليهم، الفرصة أو الخيار الوحيد لأن يجدوا ذاتهم على خارطة العالم.
باختصار .. فإننا لا نستطيع ان نقنع الآخر بمصداقيتنا الحضارية، بل أن نفلت من فلك جاذبيته القاهرة، ما لم نضع لأنفسنا النسق الحضاري الذي يستمد مقوماته من الأسس الإسلامية ويستجيب لمطالب اللحظة التاريخية.
هذه هي مهمتنا الآن، ولربما لفترة زمنية قد تمتد عشرات السنين قبل أن نفكر بتقديم رؤيتنا للآخر الذي تعزله عنا آلاف الجدران، وليس أقلها ثقلًا غياب المشروع نفسه من ساحات الجغرافية والتاريخ، إن تأكيد الذات كان دائمًا البداية الصحيحة للحوار مع الآخر.
رابعًا: تأشيرات على منهج العمل
الملاحظات أو المرئيات السابقة كلها قد لا تعني شيئًا على الإطلاق ما لم تتحدد أمام المسلم المعاصر خطط العمل والفرص الواقعية لتحويل مفردات المشروع إلى خبرة متحققة في الزمن والمكان .. إلى حياة تنبض وتنمو وتواصل تجذّرها في الأرض وامتدادها في الآفاق.
إنها عملية نسيج من نوع فريد تسهم في حبك خيوطه أقطاب شتى: الفرد، الجماعة، الشعب، المؤسسة، الدولة، النشاط المعرفي، الفكر والثقافة، فإذا استطاع النسّاجون توظيف هذه الأقطاب جميعًا، أو الجوانب القابلة للأسلمة منها، وهي بالتأكيد كبيرة المساحة غزيرة العطاء، إذا استطاعوا لمّ الجهود المبعثرة وتوجيه الأشعة المنبعثة من هنا وهناك، صوب البؤرة الواحدة، لخدمة المشروع الواحد، فإنهم يكونون قد وضعوا خطواتهم على الطريق الصحيح.
كل صيغ العمل الشعائري، أو التعبدي، أو التربوي، أو الدعوي، أو الحركي، أو السياسي أو الجهادي، أو الفكري، أو الثقافي، أو المعرفي، أو الاجتماعي.. إذا أحسن التعامل معها، وتمّ قبولها بصفتها مفردات صالحة لتغذية المشروع، يمكن أن تعين على الهدف، وأن تسهم في النسيج الشامل.
إن التغاير ها هنا أيضًا يتحتم ألاّ يكون سلاحًا نشهره ضد أنفسنا، بل فرصة جيدة للتوظيف وفق أنساق تكاملية تجعل التعبدي والتربوي والاجتماعي والدعوي والسياسي والجهادي والفكري والمعرفي .. الخ .. تلتقي على صعيد واحد مع تغاير زاوية الرؤية والفعل والانطلاق.
والآن فإن بمقدور المرء في ضوء الملاحظات السابقة أن يضع يديه على منظومة من الممارسات"العملية"التي يمكن أن تعين على نسج الخيوط الأولى في مشروع النهوض أو البديل الحضاري .. ولنتذكر دائمًا أنه ليس بديلًا لحضارة الآخر، بغض النظر عن مساوئها وتناقضاتها، وإنمّا لتخلّفنا نحن وحاجتنا الملحة إلى المشروع الذي يضعنا في المكان المناسب من خارطة العالم.
إن الجهد المطلوب ـ وبإيجاز شديد ـ يكمن في المعادلة التالية:
"اختراق الحياة شبه الإسلامية بمفردات إسلامية"وهذا ما حدث ـ بالفعل ـ منذ عقود عديدة، بل ربما منذ اللحظات المبكرة للصدمة الاستعمارية في منتصف القرن الماضي. لكن الجهد ـ في معظم الأحيان ـ كان مرتجلًا مجزوءًا لا يملك منهج عمل محدد ولا بوصلة توجيه تعرف كيف تحدد الهدف وفق مطالب اللحظة التاريخية، ولا يملك كذلك رؤية شمولية تلّم المفردات في أنساق محكمة لكي تكون أكثر قدرة على الفاعلية.
والبداية الصحيحة للاختراق هي بالضرورة بداية فكرية تنطوي على جهد مركب: يمضي أحدهما باتجاه الإصلاح والتقويم وإعادة تعديل الوقفة التاريخية الجانحة، ويسعى الآخر إلى إبداع أو تصميم صيغ جديدة تستجيب للمتغيرات، وتتعامل معها بأقصى درجات المرونة والوعي ..