وهكذا - وفي ظلام إنكار حقائق الأشياء - تمسي النسبية التاريخية دعوة صريحة إلى التحريف ، وتصبح الكنيسة هي القدوة ، وبدلا من أن يكون دين الصدق فضيلة ، ودعوة شريفة يصبح - في عصر انقلاب المنكر معروفا والمعروف منكرا - تهديدا لأتباعه بالطرد من لندن أولا ثم من يثرب أخيرا ، وهو هدية ثمينة لمن لا يزالون يتساءلون: أي إسلام نريد ؟ إذ يقدم لهم نوعا جديدا منه يمكن تسميته"الإسلام الإنجيليكاني"! ولبعضهم أن يفرحوا به إذ يرضي عنهم مهبط الوحي الجديد لهم: البارونة الشهيرة كوكس ، وعنوانها لمن يرغب: مجلس اللوردات البريطاني ، لندن .
إن المسلم يظل صامدا أمام هذه الدعاوى التي انفضحت في مرصد التحريف ، لأنه إنما يتلقى الشريعة من باب العقيدة في الله ، وفي الوحي ، وفي الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعموم رسالته وخاتميتها ، وكل ما جاء فيها جملة وتفصيلا . وهو بذلك يتلقى هذه الشريعة باعتبارها المنهج الذي يريده الله للإنسان ، لا المنهج الذي يريده الإنسان لنفسه ؛ المنهج الذي يريده الله للإنسان ما بقي القرآن والوحي عموما ، وما بقي الإنسان إنسانا على وجه هذه الأرض . وهو باق رغم أنف البارونة كوكس ، ورغم أنف شنشنات نظريات التطور التي تعرضنا لها أعلاه. يقول الأستاذ عبد القادر عودة ( لم تولد الشريعة طفلة مع الجماعة الإسلامية ، ثم سايرت تطورها ، ونمت بنموها ، وإنما ولدت شابة مكتملة ، ونزلت من عند الله شريعة كاملة شاملة جامعة مانعة ، لا ترى فيها عوجا ، ولا تشهد فيها نقصا … وقد جاءت الشريعة كاملة ، لا نقص فيها ، جامعة تحكم كل حالة ، مانعة لا تخرج عن حكمها حالة ) أنظر التشريع الجنائي ج 1 ص 15-16
إنه - أي المسلم - لا مفر له من أن ينظر إلى الشريعة باعتبارها خطة الصانع في تشغيل المصنوع ، وأن أي خروج على هذه الخطة - في أي وقت - يعني تدمير المصنوع ، كما يعني الخروج به عن أهدافه التي من أجلها صنعه الصانع .
إنه - أي المسلم ولا نعني غيره - ينظر إلى أية شريعة أخرى وقتية باعتبارها تدخلا جاهلا ممن لا يعلم . متطفلا ممن لا يملك . قهريا ممن لا يحكم نفسه . تحريفيا ممن ينظَِرون للكذب ، وثنيا ممن ينصبون لأنفسهم أربابا من دون الله .
إن الاتجاه الإسلامي هذا يعني أن الإنسانية كلها ملزمة بالشرائع والمبادئ والأحكام ، التي تقررت في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم . وأن هذه المبادئ والشرائع والأحكام لم تكن تحدث عرضا لفترة من فترات التاريخ الإنساني ، وإنما كانت تحدث كمنطقة كمال واستقطاب وإلزام ، وكمقياس يقاس عليه غيرها من عصور التاريخ ، ولتوظيفها في قيادة تاريخ الإنسانية .
وعلى هذا الأساس نرى كثيرا من مشاكل الفكر الإسلامي رؤية إسلامية: نري مشكلة الفلسفة الإسلامية ؛ وأنها لم تكن تطورا تقدميا بالنسبة لعصر سبق ، وإنما كانت ابتداعا يستقيم أولا يستقيم مع عصر القيادة ؛ عصر النبوة .
ونرى مشكلة النسخ في الشريعة ، وأنه - أي النسخ - ليس له دور بعد انتهاء التشريع مع الوحي - كما يريده ملاحدة التشريع الداعين إلى نوع جديد من نسخ أحكام الشريعة باسم المعاصرة والحداثة والنسبية التاريخية …الخ
ونرى المشكلة المصطنعة حول حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بمحاولة عزله عن استمرارية القرآن الكريم ..نرى أنه - أي الحديث - ليس محصورا في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم كما يدعي ملاحدة العصر الحديث ، وإنما يصبح له دوره في عصره ، وله منصبه في القيادة والقدوة بعد عصره صلى الله عليه وسلم .
إننا نرى هذا العصر النبوي عصرا قياديا يرتفع فوق النمو التاريخي ليكون هدفا ومثالا لهذا النمو على مر العصور والأزمان .
ثالثا:
وهذا لا يعني إنكار قيمة التاريخ أو الزمن في الفكر الإسلامي ، إننا عندما نتحدث عن قيمة الزمن نعرف أنه من أهم شروط الحضارة في أي نظام . وإنه إذا كانت الحضارة كما يقولون معادلة مركبة من: الإنسان والأرض والزمن ، فإنه من وجهة النظر الإسلامية لابد من وقفة إزاء هذه القضية - قضية الزمن - ليظهر لنا فيها أهميتها في الإسلام ، وليظهر لنا … الفروق الجوهرية بين نظرة الإسلام إلى الزمن ونظرة الحضارة المعاصرة إليه ، لكي نعرف مواقع أقدامنا ، ولكي لا ننزلق إلى مشروع حضاري ليس لنا فيه نصيب ، أو غاية
إن الإسلام وهو يعلي من قيمة الزمن - خلافا لحاضر المسلمين - فإنه يفعل ذلك من باب النعمة الإلهية التي تأتي من صانع الزمن ، والمسئولية الملقاة على عاتق المنعم عليهم . وهو في نفس الوقت يضع هذه النعمة في إطار محدد ، ولا يعطيها قيمة ذاتية لكي تنقلب إلي ضلال عن الله . وهو فوق ذلك يسلبه أية قيمة في موازين القدرة الإلهية .