فهرس الكتاب

الصفحة 20119 من 27345

وتجد ثلة قليلة بين هذا الطوفان من البشر استهدفت أن تحيا لله، وأن تبحث عن رضوانه، ومن ثمَّ: فإنه يمكن تفسير كل أنشطتها ومقاصدها في ضوء هذا المحور، وهذه الثلة هي التي أُمِر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يفصح عن محورها باعتباره رائدها وهاديها: قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ [162] لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ [163] } [سورة الأنعام] .

إن الذين يعلنون الولاء للمبادئ كثيرون، بل هم أكثر أهل الأرض، ولكن لا برهان على ذلك لدى أكثرهم، ويمكن أن يقال: إن لأكثر الناس دينين: دينًا معلَنًا ودينًا حقيقيًّا، ودينُ المرء الحقيقي هو الذي يكرِّس حياته من أجله .

إن من طبيعة المبدأ أنه يمد من يتمحور حوله بقوى وإمكانات خارقة وخارجة عن رصيده الفعلي، ولذا: فإن التضحيات الجليلة لا تصدر إلا عن أصحاب المبادئ والالتزام، وهم أنفع الناس للناس؛ لأنهم يثرون الحياة دون أن يسحبوا من رصيدها الحيوي، إذ إنهم ينتظرون المكافأة في الآخرة .

التمحور حول المبدأ هو الذي يمنح الحياة معنى، ويجعلها تختلف عن حياة السوائم الذليلة التي تحيا من أجل التكاثر ومجرد البقاء .. المبدأ هو الذي يُضفي على تصرفاتنا الانسجام والمنطقية، ويجعلها واضحة مفهومة .

نحن لا ننكر أن الظروف الصعبة تُوهِن من سيطرة المبدأ على السلوك، لكن تلك الظروف هي التي تمنحنا العلامة الفارقة بين أناس تشبّعوا بمبادئهم؛ حتى اختلطت بدمائهم ولحومهم، وأناس لا تمثل المبادئ بالنسبة لهم أكثر من تكميل شكلي لبشريتهم.

3-لا يماري أحد في أن الإنسان اكتشف في العصر الحديث من الآيات والسنن ما لم يكتشف عشر معشاره في تاريخ البشرية الطويل، لكن مع هذا فعنصر المخاطرة والإمكانات المفتوحة ما زال قائمًا؛ حيث تتحكم في الظاهرة الواحدة عشرات الألوف من العلاقات التي يصعب معها التنبؤ بنتائج الاجتهادات والأنشطة المختلفة، ولا سيما في القضايا الكبرى، كمصائر الأمم والحضارات، وقضايا التقدم والتخلف، وما تنطوي عليه من تفاعلات وتغيرات، وإن الله قد ضمن لنا نتائج الاستقامة في الدنيا والآخرة، فهي بوجه من الوجوه وعلى نحو من الأنحاء لا تكون إلا خيرًا، وإلا في صالح الإنسان، وقد قال الله:... إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [128] } [سورة الأعراف] .

وقوله:... لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [132] } [سورة طه] . وقوله: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [96] } [سورة الأعراف] .

أما من يسلك دروب المعاصي والفجور، ويتبع مغريات الأهواء والشهوات فإنه يظل يتوجس خيفة من سوء العاقبة، لكنه لا يعرف شكل العقوبة، ولا طريقة نزولها ولا توقيتها؛ ليكون الشك والغموض والخوف عاجل جزائه، ومقدمةً للبلاء الذي ينتظره، ثم تكون الخيبة الكبرى والخسارة العظمى ! !

إن هناك فترة سماحات تطول أو تقصر بين الانحراف وعواقبه، وهذا هو الذي جعل الابتلاء تامًّا، كما أنه هو الذي جرّأ أهل المعاصي على التماري في غيهم، لكن العاقل الحصيف ينظر دائمًا إلى الأمام ويتحسس ما هو آتٍ، ويضغط على واقعة من أجل السلامة في مستقبله .

4-علينا أن نجمع بين النصوص التي تدل على ضرورة الاستقامة والالتزام بالمنهج الرباني، والنصوص التي تفيد رفع الحرج والعنت عن هذه الأمة، من مثل قوله تعالى:... هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ... [78] } [سورة الحج] وقوله: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا... [286] } [سورة البقرة] . وقوله:... يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ... [185] } [سورة البقرة] .

وإذا فعلنا ذلك، فإننا سنفهم من مجموعها أمرين:

الأول: هو ضرورة تزويد المسلمين بثقافة شرعية تتضح فيها حدود الواجبات، والمباحات والمحظورات، بما يشكل خارطة فكرية واضحة لما ينبغي أن يكون عليه سلوك المسلم وعلاقاته .

الثاني: توفير الظروف والشروط الموضوعية التي تجعل التزام المسلم بدينه ميسورًا، وبعيدًا عن الحرج والمشقة التي لا تُحتمل؛ إذ إنه لا يكفي أن تكون التعاليم الإسلامية ضمن الطوق، بل لا بد إلى جانب ذلك من أن تكون الظروف المعيشية العامة التي يحيا فيها المسلم مناسبة، ومشجِعة على الالتزام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت