إنه كلما تعقدت الظروف المطلوبة للعيش الكريم؛ قلّ عدد أولئك الذين يتصرفون ضمن مبادئهم، ويلتزمون حدود الشرع، فحين يكون المرتّب الشهري للموظف لا يكفي لسداد أجرة البيت الذي يسكنه، فإن شريحة كبيرة من الموظفين سوف تلجأ إلى طرق غير مشروعة في تأمين احتياجاتها اليومية، وآنذاك سيشعرون أن الالتزام التام لا يخلو من العنت، وحينئذ سيكون عدد الملتزمين بالطرق الشرعية في الكسب محدودًا .
إن الحضارة الحديثة أضعفت الإرادة بما أوجدته من صنوف اللهو والمتع، وجعلت الشروط المطلوبة للحد الأدنى من العيش الكريم فوق طاقة كثير من الناس، كما أنها أوجدت من الطموحات إلى الكماليات، وأشكال المرفِهات ما يتجاوز بكثير الإمكانات المتاحة، وهذا كله جعل الاستقامة على الشرع الحنيف بحاجة إلى نمط من الرجال أرقى، كما جعل من الواجب على الأمة أن تفكر مليًّا في توفير ظروف تساعد على الاستقامة، وتحفز عليها .
إن المنهجية الإسلامية تقوم دائمًا على ما يمكن أن نسميه بـ [الحلول المركبة] ؛ إذ إن هناك من النصوص والأحكام ما يرفع الوتيرة الروحية للمسلم، كما إن هناك ما يزيد في بصيرته، وهناك ما يدعوه إلى الصبر والجلد، وهناك ما يحفزه على تحسين ظروف عيشه وأدائه، ولا بد أن نمنح الفاعلية لكل ذلك حتى يمكن تجسيد المنهج الرباني في حياة الناس .
إن الفكر مهما كان قويًّا، وإن الوعي النقدي مهما كان عظيمًا، فإن سلوك الناس لن يتغير كثيرًا ما لم تنشأ ظروف وأوضاع جديدة تحملهم حملًا على التحول إلى سلوك الطريق الأقوم والأرشد .
ويؤسفني القول: إننا لم نستطع إلى الآن أن نبلور نظرية إصلاحية إسلامية معاصرة ومتعمقة في تلمس شروط الاستجابة والظروف الصحيحة والمثلى لها، إلى جانب تلمس مجمل الحساسيات والترابطات والتداعيات التي تشكل المناخ المطلوب لقيام حياة إسلامية راشدة ! .
إن جل اهتمامنا ينصب على بيان ما يجب عمله، أما البرامج والكيفيات والإجراءات والأطر والسياسات التي يجب اتباعها وتأسيسها من أجل تحويل المبدأ إلى واقع معيش .. فإنها لا تلقى ما تستحقه من اهتمام ومتابعة، والخبرات لدينا في ذلك ما زالت ضئيلة، بل إن هناك مَن يستوحش من الخوض في غمار مثل هذا النوع من البحث، ويعد التعمق في ذلك ضربًا من [الاستغراب] أو الجنوح نحو المادية ! ومن الدعاة من يدعي أنه عارف بكل ذلك، لكن لو نظرت في إنتاجه المعرفي لم تقف له في هذه السبيل على كتاب، أو رسالة، بل على خاطرة أو فكرة .. [وما أطيب العرسَ لولا النفقة] ! ! ولله الأمر من قبل ومن بعد .
من:' فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ' للدكتور/ عبد الكريم بكار