فهرس الكتاب

الصفحة 20199 من 27345

* بالإضافة إلى حاجة الدعاة أنفسهم إلى زادهم من العلم والتقوى والتربية على حمل الأمانة والصبر عليها .

وربما ضاق وقت الدعوة الإسلامية ، في زمن ما ، عن استيعاب العمل على جميع هذه الجهات ، فيجب أن ينظر الدعاة في تعارض المصالح والمفاسد ، فيبدءوا بمواجهة الأشد ضررا ، ويؤجلوا بعض المعارك التي تشغلهم عما هو أهم وأولى ، وكان الاشتغال به أرجح ، وهكذا يرتبون أولوياتهم على وفق هذه القاعدة .

وهذا كله إنما ينبني على فقههم لقاعدة تعارض المصالح والمفاسد ، والداعي إلى الله ، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، هو أحوج الناس بعد الحكام الحاكمين بالتنزيل ، لهذا الفقه لاسيما في هذا الزمان .

ومما يدخل في هذا الباب في فقه الدعوة ، ما قرره العلماء من أن إنكار المنكر يسقط ، إذا أدى إنكاره إلى وقوع منكر اكبر منه .

قال ابن القيم رحمه الله ، في إعلام الموقعين:

المثال الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل ـ بإنكاره ـ من المعروف ما يحبه الله ورسوله ، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه ، وأبغض إلى الله ورسوله ، فإنه لا يسوغ إنكاره ، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله ، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم ، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر ، وقد استأذن الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها ، وقالوا: أفلا نقاتلهم ؟ فقال: ( لا ، ما أقاموا الصلاة ) وقال ( من رأى منكم من أميره ما يكرهه ، فليصبر ولا ينزعن يدا من طاعته ) ، ومن تأمل ماجرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار ، رآها من إضاعة هذا الأصل ، وعدم الصبر على منكر ، فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه ، فقدكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بمكة أكبر المنكرات لا يستطيع تغييرها ، بل لما فتح مكة وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت ، ورده على قواعد إبراهيم ، ومنعه من ذلك ـ مع قدرته عليه ـ خشية وقوع ما هو أعظم منه ، من عدم احتمال قريش لذلك ، لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهد بكفر ، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد ، لما يترتب عليه من وقوع ما هو اعظم منه .

فإنكار المنكر أربع درجات:

الأولى: أن يزول ويخلفه ضده .

الثانية: أن يقل وأن لم يزل بجملته.

الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله .

الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه .

فالدرجتان الأوليان مشروعتان ، والثالثة موضع اجتهاد ، والرابعة محرمة .

فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج ، كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة ، إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك ، وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية ، فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد ، وإلا كان تركهم على ذلك خيرا من أن يتفرغوا لما هو أعظم من ذلك ، فكان ماهم فيه شاغلا لهم عن ذلك ، وكما إذا كان الرجل مشتغلا بكتب المجون ونحوها ،وخفت من نقله عنها إلى كتب الضلال والبدع والسحر فدعه وكتبه الأولى ، وهذا باب واسع .

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر ، فأنكر عليهم من كان معي ، فأنكرت عليه ، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم ) إعلام الموقعين (3/4)

ومن الأمثلة في هذا الباب ، مسألة هجر المبتدع ، فإنها من باب إنكار المنكر ، ولهذا لايكون الهجر إلا إذا أظهر بدعته ، كصاحب المعصية ، لا يعاقب إلا إذا أظهرها .

ومن هنا ، فإن المبتدع لا يهجر إلا إذا أدى هجره إلى زوال بدعته أو تخفيف شرها ، ولا يهجر إذا أدى ذلك إلى وقوع ما هو شر من منكره ، بل ربما كان هجره والحالة هذه من الصد عن سبيل الله ، وذلك إذا كان قائما بخير في المسلمين لو هجر زال ذلك الخير ، ولم يعقبه إلا الشر والفتنة ، فالواجب أن يشكر على عمله بالخير ، ويحض عليه ، وينصح بالتي هي أحسن فيما أخطأ ، ولاينفر الناس عنه إذا كان تنفيرهم عنه يصيرهم إلى شر منه كما تقدم عن ابن القيم رحمه الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت