ومن كلام أهل العلم المحققين في هذا الباب ، ما ذكره الإمام عبد الرحمن بن حسن قال: ( إذا تبين لك هذا ، فاعلم أن الكفر الموجود في أعراب نجد الذين دخلوا في الإسلام سابقا إنما هو كفر طارئ ، لاكفر أصلي فيعامل من وجد منه مكفر ما يعامل به أهل الردة ، ويحكم عليه بعموم الكفر ، لانه يوجد فيهم من هو ملتزم بشرائع الإسلام وواجباته ، وأما من ظاهره الإسلام منهم ، ولكن ربما قد يوجد فيهم من الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة ، وفيهم شيء من أمور الجاهلية ومن أنواع المعاصي كصغائر كانت أو كبائر فلا يعاملون معاملة المرتدين ، بل يعاملون بالنصح برفق ولين ، ويبغضون على ما معهم من هذه الأوصاف ، وليعلم أن المؤمن تجب موالاته ومحبته على ما معه من الإيمان ، ويبغض ويعادى على مامعه من المعاصي ، وهجره مشروع إن كان فيه مصلحة وزجر وردع ، وإلا فليعامل بالتأليف وعدم التنفير ، والترغيب في الخير برفق ولطف ولين ، لأن الشريعة مبنية على جلب المصالح ودفع المضار والله ولي الهداية ) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية 2/135
ومن هذا الباب ـ أعني تعارض الخير والشر في العبد والنظر إلى ما يترجح من ذلك ـ أثنى أئمة السنة والعلم على بعض من وقع في البدع متأولا ، ناظرين إلى ما صدر منهم من الخير والسنة بل حكى ابن تيمية رحمه الله ذلك عن مذهب أهل السنة ، قال رحمه الله:(قلت قد ذم أهل العلم والإيمان من أئمة العلم والدين من جميع الطوائف من خرج عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأعمال باطنا وظاهرا ومدحهم هو لمن وافق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كان موافقا من وجه ومخالفا من وجه كالعاصي الذي يعلم أنه عاص فهو ممدوح من جهة موافقته مذموم من جهة مخالفته .
وهذا مذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة ومن سلك سبيلهم في مسائل الأسماء والأحكام ، والخلاف فيها أول خلاف حدث في مسائل الأصول حيث كفرت الخوارج بالذنب ، وجعلوا صاحب الكبيرة كافرا مخلدا في النار ، ووافقتهم المعتزلة على زوال جميع إيمانه وإسلامه وعلى خلوده في النار ، ولكن نازعوهم في الاسم فلم يسموه كافرا ، بل قالوا هو فاسق لامؤمن ولا كافر ، ننزله منزلة بين المنزلتين ، فهم وإن كانوا في الاسم إلى السنة أقرب فهم في الحكم في الآخرة مع الخوارج .
وأصل هؤلاء أنهم ظنوا أن الشخص الواحد لايكون مستحقا للثواب والعقاب ، والوعد والوعيد ، والحمد والذم بل إما لهذا ، وإما لهذا ، فأحبطوا جميع حسناته بالكبيرة التي فعلها )شرح العقيدة الأصفهانية ص138
ومن الأمثلة على هذا الباب أيضا ، الحكم على الكتب المصنفة ، فينظر إلى ما فيها من المصالح والمفاسد ، ويصار إلى الترجيح مع مراعاة حال السائل المستفتي ، ويكون نظر المجيب متوجها إلى حصول العاقبة المحمودة للسائل ، وتجنيبه الضرر في دينه ، وذلك يختلف باختلاف السائل وباختلاف المسؤول عنه ، ولعل ما ذكره المازري عن كتاب الإحياء للغزالي يعد مثالا مناسبا ، فقد نقل ابن تيمية في شرح العقيدة الأصفهانية قول العلامة الحافظ أبي عمر بن الصلاح:( ثم تكلم المازري في محاسن الإحياء ومذامه ومنافعه ومضاره بكلام طويل ختمه بان من لم يكن عنده من البسطة في العلم ما يعتصم به من غوائل هذا الكتاب فإن قراءه لاتجوز له وإن كان فيه ما ينتفع به .
ومن كان عنده من العلم ما يأمن به على نفسه من غوائل هذا الكتاب ، ويعلم ما فيه من الرموز فيجتنب مقتضى ظواهرها ، ويكل أمر مؤلفها إلى الله تعالى ، وإن كانت كلها تقبل التأويل فقراءته لها سائغة ، وينتفع به اللهم إلا أن يكون قارؤه ممن يقتدى به ، ويغتر به ، فإنه ينهى عن قراءته وعن مدحه والثناء عليه ، قال ولولا أن علمنا أن إملاءنا هذا إنما يقرؤه الخاصة ، ومن عنده علم يأمن به على نفسه ، لم نتبع محاسن هذا الكتاب بالثناء ، ولم نتعرض لذكرها ، ولكنا نحن أمنا من التغرير ، ولئلا يظن أيضا من يتعصب للرجل أنا جانبنا الإنصاف في الكلام على كتابه ، ويكون اعتقاده هذا فينا سببا لئلا يقبل نصحنا ، قال الشيخ أبو عمرو ، وهذا آخر ما نقلناه عن المازري )شرح الاصفهانية ص 134
وتأمل كيف منع الإمام المازري من ليس عنده ما يعصمه من العلم من قراءة الإحياء ، وأجازه لغيره ، لأن المقصود إزالة المنكر وحصول المعروف ، فمتى تحقق ذلك فلا معنى للنهي عن قراءة أي كتاب ، وإذا خيف على أحد من الناس الضرر الذي يربو على المنفعة نهي عن ذلك ، لاسيما وأنه في حال السعة يغني عما في الإحياء من المنافع كتب كثيرة موافق للسنة .
ومن هذا الباب أيضا استفادة العلماء المعاصرين قاطية من جهود العلماء الواقعين في بعض البدع ، ومن مصنفاتهم النافعة في أبواب العلم المختلفة .
وقد أسس الإمام عبدالعزبز بن باز رحمه الله كلية القرآن في الجامعة الإسلامية ، وجلب إليها كبار القراء وفيهم ما فيهم من المخالفات للسنة في العقيدة وابتاع السنة وطريقة السلف .