كما جلب إلى الجامعة الإسلامية كثيرا من العلماء الذين يحسنون فنون العلم في اللغة والفقه والأصول ، مع مافيهم من مخالفات للسنة من وجه آخر ، مع القيام بواجب النهي عن البدع ، وحمل الطلبة على السنة ، بتقرير كتب السنة ، والعقيدة الصحيحة وترغيب الطلبة فيها ، والمقصود أن المصالح العامة الحاصلة من الاستفادة من أولئك العلماء أرجح من المفسدة الجزئية في خلافهم لاعتقاد السلف والسنة في أمور لاتخرجهم من الإسلام ، ماداموا لا يدعون إلى بدعهم .
كما كان العلامة الشيخ بن باز رحمه الله تعالى يستفيد من جهود المسلمين وعلماءهم على اختلافهم ومخالفة بعضهم للعقيدة الصحيحة في بعض أبوابها ، وذلك عندما تولى رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد .
كما تنشر هيئة كبار العلماء بحوثا لمختلف علماء المسلمين ، وبعضهم لم يتمحض للاعتقاد السلفي ، استفادة من جهودهم الخيرة ، ولم يزل العلماء يفتون بتأييد كل ساع إلى الخير وإعانته على مطلوبه ، لاسيما في هذا الزمان والمسلمون في أشد الحاجة إلى كل داع إلى الإسلام ، دال على الخير .
وهذا كله يدخل تحت القاعدة العظيمة المحيطة التي حررناها مع الأمثلة عليها في هذا البحث .
وقد وجدت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، قد اعتنى بها عناية عظيمة ، وأحسب أن ذلك بسبب جهاده المستمر في الدعوة إلى الله تعالى ، ومصادمته لأهواء المخالفين ، حكاما ومحكومين ، فقد استشعر شدة الحاجة إليها .
ولهذا يجده الباحث في سيرته العظيمة ، قد أوتي عدلا وإنصافا في الحكم على الناس والطوائف والفرق ، فلايحكم عليهم حتى يقارن ما عندهم من الخير مع ما وقعوا فيه من الشر والبدع ، ولم يمنعه ذلك من إنكار المنكرات في العقائد والأعمال ، بل كان مع ذلك أعظم الناس سعيا لإزالتها ، وقد وفقه الله في هذا الباب إلى مالم يحصل لمثله في زمانه ، بل بعد زمانه ، إلى يومنا هذا ، فحتى دعوة الإمام المجدد محمد بن عبدا لوهاب إنما هي ثمرة من ثمرات جهاد ذلك الإمام وصبره ، مع علمه الواسع وعدله وحلمه .
ولابأس أن أشير هنا بعض المواضع مما ورد في مصنفاته الكثيرة ، مما يدل على أنه رحمه الله كان يجعل قاعدة الترجيح بين المصالح والمفاسد والسنة والبدعة والخير والشر والمنافع والمضار ، يجعلها نصب عينيه كالميزان العدل ، وذلك عند حكمه على الطوائف والجماعات .
فمن ذلك حكمه على الأشعرية مع أنهم كانوا من أشد أعداءه المحاربين له ، فانظر مثلا ( 4/18) (12/204ـ206) (6/55) (6/56) (6/53) .
وفي حكمه على ابن كلاب شيخ الأشعري ( 12/366) و (5/555ـ 557) .
وفي حكمه على بعض رؤوس الأشعرية ( 9/7) (5/98) (12/95) .
وفي حكمه على بعض رؤوس المتصوفة ( 10/76) (10/516) (10/686) .
وعلى ابن حزم ( 4/19)
وعلى بعض الفرق ( 20/110ـ111)
وبالجملة فهذه بعض المواضع وهي كثيرة جدا في كتبه ، وجميع ما ذكرته هنا من مجموع الفتاوى الذي جمعه ابن قاسم .
الخاتمة
يستفاد مما مضى من هذا البحث ، أن قاعدة تعارض المصالح والمفاسد ، من القواعد الشرعية المحيطة ، وهي قاعدة جليلة القدر عظيمة النفع ، وحاصلها أن دلائل الشريعة المطهرة دلت على أنه حكم الله تعالى يدور مع ما يترجح عند تعارض المصالح والمفاسد ، والمضار والمنافع ، فيكون الشيء مطلوبا شرعا إن ترجحت مصالحه على مفاسده ، ويكون ممنوعا إن كان العكس.
وهذه القاعدة ترجع في الأصل إلى أن الله خلق المخلوقات ـ بما فيها الأعمال والأقوال ـ ولها مراتب في الوجود:
فمنها ما هو مصلحة خالصة كذكر الله تعالى .
ومنها ما هو مصلحة راجحة كالقتال المشروع .
ومنها ما هو مفسدة خالصة كالشرك بالله .
ومنها ما هو مفسدة راجحة كالخمر .
والتحقيق أن المفسدة الخالصة والراجحة وصفها بذلك من جهة وقوعها من العبد ، لامن جهة تقدير الله تعالى لها ، ذلك أن الله تعالى لا يقدر إلا ما هو وفق الحكمة ، فتقديره كله خير في المآل ، وإن كنا قد نرى أحيانا غير ذلك في ظاهر الحال .
وقد قدر الله تعالى أن يكثر في هذه الحياة الدنيا ، ما هو دائر بين المصلحة الراجحة ، والمفسدة الراجحة ، وإنما الآخرة هي التي يخلص فيها الخير من الشر خلوصا كليا .
ومن هنا كانت أفعال المكلفين ضرورة ـ ولا مناص من ذلك ـ واقعة تحت هذا الحكم القدري ، مع كونهم مخاطبين بالحكم الشرعي ، فيكون أحيانا التقدير الكوني سبق أن لا يتوصل إلى المصلحة الراجحة إلا عن طريق ـ أو مع ـ مفسدة مرجوحة تلازمها ، فعلى العباد أن يعلموا أن حكم الله الشرعي فيها هو طلب فعلها ، ولاتكون حينئذ مفسدة بالنظر إلى العاقبة ، ذلك أن الله تعالى ، قد خلق الحياة الدنيا هكذا ، وهكذا أرادها ، عز شأنه ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .