فهرس الكتاب

الصفحة 20208 من 27345

إن ما قدّمه الغربيون عامة، والمستشرقون على وجه الخصوص، يتضمن الأبيض والأسود، إن على مستوى المنهج أو الموضوع، وليس كله سواء. بل إن الرجل منهم قد يتضمن كلامه، في نفس الوقت، الأبيض والأسود معًا، لأسباب عديدة منها قوة الجذب التي أشرنا إليها، ومنها الجهل ببعض المسائل، ومنها التأثيرات الذاتية والثقافية... إلى آخره.

"إن العقل الغربي الحديث - كما يقول سير هاملتون جب - يعسر عليه بوجه خاص، أن يقوم بمحاولة استكناه طبيعة المواقف الدينية لدى أناس تختلف نظرتهم إلى الكون اختلافًا بعيدًا عن نظرة (الغربي) ، لأن الدين، سواء أكان في صورة قوة محسوسة، أو قوة ذات أثر روحي، يتطلب تدريب ملكة الإدراك الحدسي، أي يتطلب طفرة العقل التي تعبر خضم كل تلك المعلومات والمناهج المتبعة في التحليل العقلي.. وتتخطى حدوده لتستكنه بالتجربة المحسوسة وعلى نحو مباشر عنصرًا من العناصر القائمة في طبيعة الأشياء مما لا يستطيع التعقل أن يصفه أو يحدد هويته. (الإيمان هو الثقة بما يرجى والإيقان بأمور لا ترى) . أما الرجل الغربي النموذجي الذي ورث الفكر الإنكليزي العقلاني وقيم القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وأصبح موجهًا عقليًا بقوة ذلك الفكر، أو بقوة الفكر الألماني وقيم السنوات المائة والخمسين الماضية، فقد هزلت وأهملت لديه ملكة الحدس حتى إنه ليأبى أن يسلم بمحض وجودها. ولذلك أصبحت أحكامنا الدينية - نحن الغربيين - شديدة الاختلال" (1) .

وهنا يجب أن نقف قليلًا عند مسألة (حدود النص) أو (الشاهد) وضرورة عدم ممارسة الاقتطاع القسري إزاءه، كيف يتم ذلك ؟.

إن علينا أن نلاحظ كيف أن عددًا من الشهادات الإيجابية بحق الإسلام أو جانب من جوانبه، من قبل هذا المؤلف أو ذاك يقابلها في الوقت نفسه ركام من شهادات أخرى سلبية تقف موقفًا مضادًا من الإسلام لكن هذا لا يمنع من اعتبار الشهادات الأولى بمثابة اعتراف (حرّ) بهذه القيمة أو تلك من قيم الإسلام، والتي تدفع الغربيين إلى إعلان رأيهم ذاك دونما أي نوع من أنواع الاضطرار أو القسر.

فكشهادات، وليس كموقف نهائي، يمكن أن تعتمد للدلالة على ما نحن بصدده فأما (الشهادة السلبية) فقد فرضت نفسها على نطاق واسع لأنها الأكثر حضورًا وانتشارًا في الفكر الغربي، ويستطيع المرء أن يجدها بسهولة في معظم الأعمال الغربية التي تمس الإسلام. وأما (الشهادة الإيجابية) فهي التي تحتاج إلى مزيد من التأكيد والتنسيق وإعادة العرض في إطار ملائم.

وهنالك فرق بيّن - بطبيعة الحال - بين خطيئة الاقتطاع القسري للشاهد لتأكيد فكرة ما في سياق معين قد يصل إلى أهداف ومواقع لم يفكر فيها صاحب النص أساسًا، وبين استقصاء الشهادات الإيجابية التي صدرت عن حشد من المفكرين الغربيين، من بين سيل من المعطيات تتميز بموقفها السلبي من الإسلام كما قلنا. فهاهنا تبدو الشهادة صدورًا حرًا، وتقييمًا إيجابيًا لجانب من الإسلام ينبثق عن قناعة تامة للمفكر، الذي يجد نفسه بعد لحظات، أو قبل لحظات يسدّد هجمة لجانب آخر، وربما للجانب نفسه من الإسلام، قد لا تبرّرها الموضوعية، ولكنها - على أية حال - تمثّل بدورها حلقة من قناعات ذلك المفكر.

وبما أن مهمة هذا الكتاب هي محاولة حصر قدر طيب من الشهادات الإيجابية، كما يتضح من هدفه ومنهجه، فإن الأمر يتجاوز كونه اقتطاعًا قسريًا للشاهد، إلى السعي العلمي المتبصّر لاستقصاء المعطيات الإيجابية للمفكر غير المسلم، تلك التي إذا ما عرضت عليه أكد صدقها ثانية وثالثة ورابعة لأنه لم يقلها إلا بدافع قدرة الإسلام، في جانب ما من جوانبه، على تأكيد تميزه، وتفوقه وفاعليته.

وفي المقابل فإن بمقدور أي قارئ أن يتابع الشهادات ذات الطابع السلبي في معظم المصادر التي اعتمدت هاهنا، وغيرها كثير، وهي مسألة ليست من مهمة هذا البحث، وقد تصدى لها بالعرض والنقد والدراسة، ولا يزال، عدد من المختصين والباحثين الإسلاميين ضمن توجهات منهجية أخرى.

إن عنوان الكتاب يحمل بوضوح بنية المنهجية القائمة - أساسًا - على الانتقاء، البحث عن الشهادات الإيجابية البناءة فقط، وأؤكد على الكلمة، تلك التي صدرت عن أناس لم يكونوا يؤمنون بالإسلام، ثم جذب بعضهم إليه، وظل آخرون بعيدين عنه.

ومرة أخرى، فإن ما قيل في الإسلام من مواقع التحزّب والخصومة والمصالح والظنون والأهواء كثير جدًا، وليس ثمة من لم يغترف من سيله الطامي، ولو غرفة بيده، لكي يطلع على ما تتضمنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت