فهرس الكتاب

الصفحة 20209 من 27345

أما مهمة هذا الكتاب فشيء معاكس تمامًا: البحث عن المعطيات التي صدرت من مواقع الرؤية الأكثر نقاء وموضوعية والتي قد يحوطها، بالتأكيد، الكدر من بين يديها ومن خلفها، ومن ثم، وما دام أن الهدف واضح منذ اللحظة الأولى، فسنضطر إلى المنهج الانتقائي لوضع اليد على طرف الإيجاب وحده، فالمسألة ليست مسألة بحث في واقعة ما، أو ظاهرة من الظواهر، أو حتى دين أو مذهب، لكي نتابع ما يتطلبه المنهج العلمي: تسليط الضوء على الأبيض والأسود معًا، وإنما هو محاولة لرصد جانب من الشهادات الإيجابية التي صدرت بحق هذا الدين، من بيئات طالما أساءت إليه، ومن ثم تحمل - أي المحاولة التي يمثلها هذا الكتاب 0 تبريرها العلمي الصريح في اطراح كل ما من شأنه أن يتناقض مع هذا الهدف الواضح المحدّد سلفًا.

وإذا كان الكتاب عملًا انتقائيًا في هذا الاتجاه، فهو انتقائي أيضًا في الاتجاه المعاكس، أي باتجاه إسقاط الكثير من الشهادات الإيجابية بحق الإسلام، تجاوزًا للتكرار والتضخم. ويكفي أن تأتي الشهادة في هذا الجانب أو ذاك من جوانب الإسلام متمثلة بعدد مناسب من النصوص التي تمثل سياقًا نمطيًا لا تعدو سائر الشهادات الأخرى - في إطاره - أن تكون بمثابة تأكيد يكرر نفسه بصيغ قد تكون متباينة شكلًا ولكنها تلتقي في المضمون.

ولابدّ من الإشارة هنا إلى أن الكتاب، من أجل الهدف الآنف الذكر، حاول، قدر الإمكان، تجاوز شهادات التقييم الغربية التي انصرفت إلى ردّ مزاعم بعض الغربيين أنفسهم، أو غير المسلمين عمومًا، لأن هذه الشهادات لا تعدو أن تكون صيغًا ذات طابع (دفاعي) موجهة ضد معطيات سلبية، بينما تتجه مهمة الكتاب، كما رأينا، إلى الاكتفاء بالشهادات الإيجابية (البنائية) التي تتحدث عن هذا الجانب أو ذاك بصيغة التقييم والإعجاب.

إن العدد من الأسماء التي سيجدها القارئ هنا تدلي بشهاداتها عن الإسلام، لا يحمل اعتمادها أي معنى من معاني التبرئة والتنزيه عن الميول والظنون والأهواء، وهي بالتالي ليست دعوة للقارئ إلى التوجه لمعطيات هذه الأسماء، والتسليم بها في تفاصيلها وجزئياتها كافة، أو في منهجها الذي اعتمدته، والذي قد يرتطم ابتداء بالمنهج الموضوعي الصحيح في التعامل مع هذا الدين.

ولو حدث أن توهّم القارئ - لحظة - أن إيراد هذه الأسماء، أو بعضها على الأقل، يتضمن دعوة لتقبّل استنتاجاتها ومناهجها كافة، فإن الغرض من هذا البحث المتواضع سينقلب رأسًا على عقب، وسيقود إلى ضلالة أخرى. والمهم، كما أكدنا أكثر من مرة، هو أن ما يتضمنه الإسلام، وتاريخه وحضارته، من عناصر الجذب، والإشعاع، والقوة والإقناع، والإثارة، والانسجام مع التوجهات الإنسانية الأصيلة، ساق هؤلاء، وأرغمهم، حينًا آخر، على الإدلاء بشهاداتهم الإيجابية جنبًا على جنب، بالنسبة لبعضهم على الأقل، مع حشود من الاستنتاجات الخاطئة المضادة، بل إن بعض تلك الشهادات الإيجابية تتضمن في بنيتها ومفرداتها - كما أشرنا- سلبيات شتى، مما يجده القارئ أحيانًا بسبب من طبيعة المنهج الذي يعتمده الغربيون في التعامل مع الإسلام.

وثمة صيغة أخرى للعمل اضطررنا لتجاوزها خشية أن يتحول الكتاب إلى مشروع مناقشات وجدل ودفع للتهم الباطلة، فيفقد أهميته، وتوجّهه المطلوب، فضلًا عن أن أمرًا كهذا مُورِسَ على نطاق واسع عبر العقود الأخيرة بصدد الفكر الغربي عامة، والاستشراقي على وجه الخصوص.

إن شهادات الغربيين الإيجابية عن الإسلام ليست ذات طبقة واحدة، وإنما عدة طبقات (2) ، فبعض الشهادات لا تعدو كونها تأكيدًا لحقائق معينة في نسيج ديننا وحضارتنا، تارة بالترجمة الحرفية لنصوص الوقائع المستمدة من المصادر الإسلامية نفسها، أو الغربية؛ وتارة أخرى، بتركيز هذه النصوص، أو التوسّع فيها، مع المحافظة على جوهرها الأصيل. وهذا التأكيد، أو النقل، يمثل - بحدّ ذاته - اعترافًا ضمنيًا أو مكشوفًا بقيم الدين والحضارة الإسلامية، وتميزهما، فهو - إذن - يحمل أهميته كشهادة، خاصة إذا ما تذكرنا السيل الآخر المضاد من المعطيات الغربية التي استهدفت التشكيك بصحّة هذه الوقائع، وتحققها بالفعل، أو فسرتها تفسيرًا خاطئًا يخرج بها عن كونها عناصر جيدة ترفد المجرى العام البنّاء الذي يشكل الإسلام والحياة الإٍسلامية، ويلقي عليها ظلًا يبعد بها عن جادة اليقين.

فها هي الشهادات الإيجابية تجيء كإقرار أو اعتراف لكي تردّ هذا الهوى وتبعد ذلك السوء، وتعلن بالموضوعية التي يتطلبها التعامل الجادّ مع الحقائق، تأكيدها لما وقع فعلًا لا لما يريد أصحاب الظنون والأهواء أن يكون.

لكن هذه الشهادة لا ترقى إلى مرتبة الطبقة التالية التي تأخذ طابع التقييم الذي يصدر عن غير المسلم، تجاه هذا الجانب أو ذاك من الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت