فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وإذا كان هذا البلاء قد عم وطم ولم يسلم منه إلا القليل، فالواجب على أهل العلم أن يقدموه على غيره- أعني بيان التوحيد وضده- وأن تكون عنايتهم به أكثر من كل نوع من أنواع العلم؛ لأنه الأساس فإذا فسد هذا الأساس وخرب بالشرك بطل غيره من الأعمال، كما قال سبحانه: { ولو أشْركُوا لَحَبِطَ عنهُم مَّا كانوا يعملون } [الأنعام:88] ، وقال سبحانه: { ولقد أوحيَ إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشْرَكْت ليحْبَطَنَّ عملُكَ ولتكوننَّ من الخاسرين . بَلِ اللهَ فاعبدْ وكن من الشَّاكِرِينَ } [الزمر:65-66] والصوم والحج وغير ذلك من العبادات لا تنفع.
وأقسام التوحيد ثلاثة، بالاستقراء والنظر والتأمل في الآيات والأحاديث وما كان عليه أهل الشرك اتضح أنها ثلاثة أقسام؛ اثنان أقر بهما المشركون، والثالث جحده المشركون، وقام النزاع بينهم وبين الرسل في ذلك، والقتال والولاء والبراء والعداوة والبغضاء.
ومن تأمل القرآن الكريم والسيرة النبوية وأحوال الرسل عليهم الصلاة والسلام وأحوال الأمم عرف ذلك، وقد زاد بعضهم قسمًا رابعًا سماه (توحيد المتابعة) يعني وجوب اتباع الرسول والتمسك بالشريعة، فليس هناك متبع آخر غير الرسول فهو الإمام الأعظم وهو المتبع، فلا يجوز الخروج عن شريعته فهي شريعة واحدة إمامها واحد وهو نبينا عليه الصلاة والسلام فليس لأحد الخروج عن شريعته، بل يجب على جميع الثقلين الجن والإنس أن يخضعوا لشريعته، وأن يسيروا على منهاجه في التوحيد، وفي جميع الأوامر والنواهي، هذا القسم الرابع معلوم، وهو داخل في قسم توحيد العبادة، لأن الرب سبحانه أمر عباده باتباع الكتاب والسنة، وهذا هو توحيد المتابعة، وقد أجمع العلماء على وجوب اتباع الرسول والسير على منهاجه، وأنه لا يسع أحد الخروج عن شريعته كما وسع الخضر الخروج عن شريعة؛ فإن الخضر نبي مستقل على الصحيح ليس تابعًا لموسى، وقد كان الأنبياء والرسل قبل محمّد كثيرين كل له شريعة كما قال سبحانه: { لكُلٍّ جعلنا منكم شِرْعةً ومنهاجًا } [المائدة:48] .
أما هذه الأمة فليس لها إلا نبي واحد وهو محمّد صلى الله عليه وسلم، فالواجب على هذه الأمة من حين بعث الله نبيها محمّدًا صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا إلى يوم القيامة اتباع هذا النبي وحده والسير على شريعته المعلومة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وليس لأحد الخروج عن ذلك، ليس لأحد أن يقول أنا أتبع التوراة أو الإنجيل، فلانًا أو فلانًا. بل يجب على الجميع اتباع شريعة محمّد صلى الله عليه وسلم ومن زعم أنه يجوز لأحد الخروج عنها فهو كافر ضال بإجماع المسلمين.
وقد علمان مما سبق أن أقسام التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
فتوحيد الربوبية وهو الإيمان بأفعال الرب سبحانه وأنه فعال لما يريد، وأنه الخلاق الرزاق، وهذا القسم ما أنكره المشركون بل أقروا به، وهو يستلزم توحيد العبادة ويلزمهم بذلك، فمن كان بهذه الصفة من كونه هو الخلاق، الرزاق، المحيي، المميت، ومدبر الأمور، ومصرف الأشياء وجب أن يعبد وأن يخضع له فإنه يقول سبحانه: { قُلْ من يَّرزقُكُم مِّن السّماء والأرض أمَّن يملك السَّمع والأبصار ومن يخرج الحيَّ من الميّت ويُخرج الميِّت من الحيِّ ومن يُدبِّرُ الأمرَ فسيقولون الله فقل أفلا تتَّقون } [يونس:31] .
والمعنى ما دمتم تعلمون أن هذا الله أفلا تتقون الله في توحيده والإخلاص له، وترك الإشراك به، وهم مقرون بهذا يعلمون أنه ربهم وخالقهم ورازقهم، ولكنهم اعتقدوا أن تقربهم إليه بعبادة الأوثان والأصنام أنه شيء يرضيه، كما قال الله سبحانه: { ويعبدون من دون الله ما لا يضرُّهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شُفعاؤنا } [يونس:18] هذا اعتقادهم الباطل: { إنهم اتَّخَذوا الشَّياطين أولياء من دون الله ويحْسبون أنَّهم مُّهتدون } [الأعراف:30] .
والشياطين زينت لهم السوء وزينت عبادة الأصنام، والملائكة، والأنبياء، والأشجار، والأحجار وغير ذلك، فاحتج الله عليهم بما أقروا به من توحيد الربوبية، والأسماء والصفات على ما أنكروه من توحيد العبادة؛ لأن يعبد ويطاع سبحانه وتعالى وهكذا أسماؤه كلها دليل ظاهر على أنه هو المستحق للعبادة، فهو الرحمن الرحيم، الرزاق العليم المدبر للأمور، مالك الملك، العالم بكل شيء، والقادر على كل كل شيء، وهو الفعال لما يريد فمن كان بهذه المثابة وجب أن يعبد وحده دون سواه، وهذه الأسماء كلها دالة على معان عظيمة: الرحمن: يدل على الرحمة، العزيز: يدل على العزة، الرؤوف: يدل على الرأفة، السميع: يدل على أنه يسمع دعوات عباده وكلامهم
والبصير: الذي يراهم وبشاهد أحوالهم، إلى غير ذلك، فهي أسماء عظيمة حسنى دالة علة معان عظيمة كلها حق، وكلها ثابتة لله سبحانه على وجه يليق به سبحانه، لا يشبه له فيها، ولا نظير، كما قال تعالى: { ليس كمِثْلهِ شيءٌ وهو السَّميع الْبَصيرُ } [الشورى:11] .