فهرس الكتاب

الصفحة 2033 من 27345

وقال سبحانه: { ولم يكن لَّه كُفُوًا أحدٌ } [الإخلاص:4] .

والصحابة رضوان الله عليهم وأتباع الرسول صلى الله عليه وسلم كلهم مجمعون على إثبات الأسماء والصفات، وأنها حق ثابتة لله تعالى على وجه يليق به، بلا تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وأن الاستواء، والنزول،والسمع والبصر، والكلام وسائر الصفات كلها حق، وهكذا سائر الأسماء حق، ولهذا قال تعالى: { وللهِ الأسماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بها } [الأعراف:180] .

أي اسألوه بها فهو يدعى ويسأل بأسمائه: يا رحمن يا رحيم، يا عزيز يا غفور، اغفر لي، ارحمني، فرج كربتي، إلى غير ذلك. كما أنه يدعى أيضًا بتوحيده والإيمان به، كما قال تعالى: { ربَّنا إنَّنا سمعنا مناديًا يُنادي للإيمان أن آمنوا بربِّكُم فآمنَّا } [آل عمران:193] .

وكما في الحديث: « اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت؛ الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد » [الترمذي، وابن ماجة]

فهو يسأل بتوحيده والإيمان به، واعتراف العبد بأنه ربه وإلهه ومعبوده الحق. وهكذا يسأل بالأعمال الصالحات، ويتوسل إليه بها فهذا كله من أسباب الإجابة كما سأله أصحاب الغار بأعمالهم الصالحة وهم قوم دخلوا غارًا للمبيت فيه والاتقاء من المطر، فأنزل الله تبارك وتعالى عليهم صخرة سدت الغار عليهم، فلم يستطيعوا رفعها، فقالوا فيما بينهم: إنه لن يخلصكم من هذه الصخرة إلا الله بسؤالكم الله بأعمالكم الصالحة، فتوسل أحدهم ببره والديه، والآخر بعفته عن الزنا، والثالث بأدائه الأمانة، ففرج الله تبارك وتعالى عنهم الصخرة فخرجوا، كما صح بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من آياته العظيمة سبحانه وتعالى ومن الدلائل على قدرته العظيمة، فهو يحب من عباده من يتوسل إليه بأسمائه وصفاته وأعمالهم الطيبة، أما التوسل بجاه فلان، أو بحق فلان، أو بذات فلان، فهذا بدعة.

ولهذا لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يتوسلون بدعائه في حياته، فيقولون يا رسول الله ادع الله لنا، ويدعو لهم صلى الله عليه وسلم كما وقع في أيام الجدب وكان على المنبر، فطلبوا أن يدعو الله لهم، فدعا الله تعالى لهم واستجاب الله تبارك وتعالى له، وفي بعض الأحيان كان يخرج إلى الصحراء فيصلي ركعتين ثم يخطب ويدعو. فلما توفي صلى الله عليه وسلم عدل عمر إلى عمه العباس، فقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فقام العباس ودعا فأمَّنوا على دعائه فسقاهم الله تبارك وتعالى. ولو كان التوسل بالذات أو الجاه مشروعًا لما عدل عمر والصحابة رضي الله عنهم إلى العباس، ولتوسل الصحابة بذاته، لأن ذاته عظيمة عليه الصلاة والسلام حيًا وميتًا.

والمقصود من هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم صان هذا التوحيد وحماه، وبين أن الواجب على الأمة إخلاص العبادة لله وحده، وأن يتوجهوا إليه جلّ وعلا بقلوبهم وأعمالهم في عبادتهم، وألا يعبدوا معه سواه لا نبيًا ولا ملكًا ولا جنِّيًا ولا شمسًا ولا قمرًا ولا غير ذلك.

والله سبحانه وتعالى أوجب على عباده ذلك في كتابه الكريم، وعلم الأمة ذلك أن يعبدوه وحده، ويتوجهوا إليه وحده، والرسول صلى الله عليه وسلم أكمل ذلك وبلغ البلاغ المبين، وحمى حمى التوحيد، وحذر من وسائل الشرك، فوجب على الأمة أن تخلص لله تعالى العبادة، فالعبادة حق لله وحده وليس لأحد فيها نصيب، كما قال الله سبحانه: { فاعبُدِ الله مخلصًا له الدِّين . ألا للهِ الدِّينُ الخالصُ } [الزمر:2-3] ، وقال سبحانه: { فادْعوا الله مخلصين له الدِّين ولو كرهَ الكافرون } [غافر:14] ، وقال سبحانه: { وقضى ربُّك ألا تعبدوا إلا إيَّاه } [الإسراء:23] ، وقال تعالى: { إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين } [الفاتحة:5] ، وقال جلّ وعلا: { وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدِّين حُنفاء } [البينة:5] . والآيات في هذا المعنى كثيرة.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا » [البخاري، ومسلم] . متفق على صحته. وهذا أمر معلوم بالنصوص من الكتاب والسنة وبالضرورة، ولهذا يجب على علماء الحق أن يبذلوا وسعهم في تبين هذا الحق بالكتب والرسائل ووسائل الإعلام، والخطب والمواعظ، وبسائر الوسائل الممكنة، لأنه أعظم حق وأعظم واجب، ولأنه أصل الدين وأساسه كما تقدم، وصلى الله وسلم على نبينا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

دار القاسم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت