فهرس الكتاب

الصفحة 20613 من 27345

فلما همّ قومه بقتل الرسل جاءهم، فوعظهم أحسن ما تكون الموعظة، وذكّرهم بحق الله من العبادة والتعظيم، فقتلوه، فما خرجت روحه إلا إلى الجنة، فدخلها، فذلك قوله: {قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ} فلما شاهدها قال: {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ [26] بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ} قال الإمام القرطبي:'قلت: والظاهر من الآية أنه لما قُتل قيل له: ادخل الجنة. قال قتادة: أدخله الله الجنة وهو فيها حي يرزق، أراد قوله تعالى:وَلا تَحْسَبَنَّ الَذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ ُرْزَقُونَ [169] }

[سورة آل عمران] .

وإذا تأمل العبد المسلم هذه الحادثة المؤثرة استنبط منها الدروس والعبر، ومن ذلك:

1-الحث على سرعة الاستجابة للحق، متى ما ظهرت علامته، واتضحت دواعيه: ثم الدعوة إليه دون بطء أو تكاسل؛ فإن هذا المؤمن الشهيد حينما استشعر حقيقة الإيمان، تحركت هذه الحقيقة في ضميره، فلم يطق عليها سكوتًا، ولم يقبع في داره بعقيدته، وهو يرى الضلال من حوله، والجحود، والفجور، ولكنه سعى بالحق الذي استقر في ضميره، وتحرك في شعوره.

سعى به إلى قومه وهم يكذبون، ويتوعدون، ويهددون. وجاء من أقصى المدينة يسعى ليقوم بواجبه في دعوة قومه إلى الحق، وفي كفهم عن البغي، وفي مقاومة اعتدائهم الأثيم الذي يوشكون أن يصبوه على المرسلين.

ونجد في الآيات الكريمة وصفًا لهذا المؤمن الشهيد بالسعي، وهذا كما يقول صاحب تفسير التحرير والتنوير:'يفيد أنه جاء مسرعًا، وأنه بلغه هَمّ أهل القرية برجم الرسل، أو تعذيبهم، فأراد أن ينصحهم خشية عليهم وعلى الرسل، وهذا ثناء على هذا الرجل، يفيد أنه ممن يُقتدى به في الإسراع إلى تغيير المنكر'.

2-ومن الدروس والعبر كذلك هنا: أن من أسباب قبول دعوة الداعين إلى الحق عدم طلبهم أجرًا دنيويًا، أو كسبًا ماديًا: ولذا قال هذا المؤمن لقومه: {اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ} . وقد قُدم عدم سؤال الأجر على الاهتداء؛ لأن القوم كانوا في شك من صدق المرسلين، وكان من دواعي تكذيبهم اتهامهم بأنهم يجرّون لأنفسهم نفعًا من ذلك؛ لأن القوم لما غلب عليهم التعلق بحب المال، وصاروا بُعداء عن إدراك المقاصد السامية كانوا يعدّون كل سعي يلوح على امرئ إنما يسعى به إلى نفعه فقُدِّم ما يزيل عنهم هذه الاسترابة. والأجر يصدق بكل نفع دنيوي يحصل لأحد من عمله، فيشمل المال والجاه والرئاسة. فلما نفى عنهم أن يسألوا أجرا،ً فقد نفى عنهم أن يكونوا يرمون من دعوتهم إلى نفع دنيوي يحصل لهم.

3-ومن الدروس والعبر في قصة المؤمن الشهيد، مؤمن آل ياسين: الحث على استخدام أسلوب الإقناع في الجانب الدعوي: فقد كان من ضمن نصح حبيب لقومه أنه قال لهم: {وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَذِي فَطَرَنِي} حيث أخرج الحجة عليهم في معرض المخاطبة لنفسه تأليفًا لهم، ونبه على أن عبادة العبد لمن فطره أمر واجب في العقول، مستهجن تركها، قبيح الإخلال بها، فإن خلقه لعبده أصل إنعامه عليه، ونعمه كلها بعدُ تابعة لإيجاده وخلقه، وقد جبل الله العقول والفطر على شكر المنعم، ومحبة المحسن، ولا يلتفت إلى ما يقوله نفاة التحسين والتقبيح في ذلك، فإنه من أفسد الأقوال وأبطلها في العقول والفطر والشرائع.

ونجد في مخاطبة هذا المؤمن لقومه أنه احتج عليهم بما تقر به عقولهم وفطرهم من قبح عبادة غيره، وأنها أقبح شيء في العقل وأنكره، فقال:أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ [23] إنِّي إذًا لَّفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ [24] } أفلا تراه كيف لم يحتجّ عليهم بمجرد الأمر، بل احتج عليهم بالعقل الصحيح ومقتضى الفطرة.

4-الاستمرار في الدعوة إلى الهدى والحق مهما وقف في سبيل منعها الطغاة والمفسدون: ما دام الداعية يعلم أنه لا يدعو إلا إلى الخير والهدى، وما دام يعلم أن في استمرار الدعوة صلاح الناس واستقامتهم، وأن في تركها فسادهم وغفلتهم، فيستمر في ذلك ولو عُذب وأهين، بل حتى لو أزهقت نفسه، وقتل، كما هو حال مؤمن آل ياسين، وذلك سبيل الأنبياء والمرسلين، ومن نهج نهجهم من العلماء الربانيين، والدعاة الصادقين إلى يوم الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت