فهرس الكتاب

الصفحة 2064 من 27345

وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعريفًا شاملًا للطاغوت فقال ( الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع . فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو يعبدونه من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم عدلوا من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التحاكم إلى الطاغوت وعن طاعته ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم إلى طاعة الطاغوت ومتابعته ) . وقد أمر الله بالكفر بالطاغوت وقدَّمه على الإيمان بالله كما قدَّم النفي على الإثبات في كلمة التوحيد لا إله إلا الله ولا يصير المرء مؤمنًا بالله حتى يكفر بالطاغوت بمعناه الشامل قال تعالى { فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) } (1) .

وفي صحيح مسلم ( 23 ) من طريق مروان الفزاري عن أبي مالك عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله ) .

وهذا توضيح لكلمة الإخلاص وأنه ليس المراد منها مجرد النطق فإن هذا لا يعصم الدماء والأموال ولا يخلص من عذاب النار . والمسألة في حقيقتها هي مسألة عمل بما تعنيه هذه الكلمة من توحيد الله وإخلاص العبادة له والبراءَة من كل معبود أو متبوع أو مطاع دون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .

وقد ذكر الله جل وعلا عن خليله إبراهيم في مقام المدح والثناء أنه تبرأ من قومه ومما يعبدون من دون الله فقال { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاؤا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ } (2) .

وقال تعالى { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) } (3)

وقال تعالى { وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (16) } (4) .

وغير ذلك من الأدلة الدالة على شرعية مفارقة أهل الكفر ومجانبة ضلالهم واعتزال مجالسهم .

وقد عطل هذا الأصل الكبير كثيرُُُُ من أبناء المسلمين وركنوا إلى الذين ظلموا أنفسهم والذين عثوا في الأرض فسادًا وعطلوا شرع الله ودعوا إلى تحكيم القوانين الكفرية وحمايتها بالمال والرجال والبطش بمن ثار في وجهها ورفض التحاكم إليها .

قال تعالى { يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ } (5) .

والمراد بالطاغوت في هذه الآية الحاكم بغير شرع الله الذي جعل نفسه مشرَّعًا مع الله أو دون الله وقد سمّاه الله مشركًا في قوله { وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) } (6) .

وقال وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) (7) .

و سمّاه كافرًا في قوله تعالى { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ (44) } (8) .

والكفر إذا أُطلق وعرّف بالألف واللام فيراد به الأكبر ، وما قيل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال (( كفر دون كفر ) )لا يثبت عنه . فقد رواه المروزي في تعظيم قدر الصلاة ( 2 / 521 ) والحاكم في مستدركه ( 2 / 313 ) من طريق هشام بن حُجَير عن طاووس عن ابن عباس به . وهشام ضعفه الإمام أحمد ويحي بن معين والعقيلي (9) وجماعة وقال علي بن المديني قرأت على يحي بن سعيد حدثنا ابن جريج عن هشام ابن حجير فقال يحي بن سعيد خليق أن أدعه قلت أضربُ على حديثه ؟ قال نعم . وقال ابن عيينة لم نكن نأخذ عن هشام بن حجير ما لا نجده عند غيره .

وهذا تفرد به هشام وزيادة على ذلك فقد خالف غيره من الثقات

(1) سورة البقرة .

(2) الممتحنة آية ( 4 ) .

(3) سورة مريم .

(4) سورة الكهف .

(5) سورة النساء آية ( 60 ) .

(6) سورة الكهف .

(7) سورة الأنعام آية ( 121 ) .

(8) سورة المائدة .

(9) انظر الضعفاء للعقيلي [ 4 / 337 - 338 ] والكامل [ 7 / 2569 ] لابن عدي وتهذيب الكمال [ 30 / 179 - 180 ] وهدي الساري [ 447 - 448 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت