فذكره عبد الله بن طاووس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن قوله تعالى { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ (44) } (1) قال هي كفر وفي لفظ (( هي به كفر ) )وآخر (( كفى به كُفْره ) )رواه عبد الرزاق في تفسيره ( 1 / 191 ) وابن جرير ( 6 / 256 ) ووكيع في أخبار القضاة ( 1/ 41 ) وغيرهم بسند صحيح وهذا هو الثابت عن ابن عباس رضي الله عنه، فقد أطلق اللفظ ولم يقيّد.
وطريق هشام بن حجير منكر من وجهين
الوجه الأول: تفرد هشام به .
الوجه الثاني: مخالفته من هو أوثق منه .
وقوله (( هي كفر ) )واللفظ الآخر ( هي به كفر ) يريد أن الآية على إطلاقها (2) والأصل في الكفر إذا عرّف باللام أنه الكفر الأكبر كما قرر هذا شيخ الإسلام رحمه الله في الاقتضاء [ 1 / 208 ] إلا إذا قيد أو جاءت قرينة تصرفه عن ذلك 0
وقول امرأة ثابت بن قيس ( ولكني أكره الكفر في الإسلام ) رواه البخاري ( 5273 ) عن ابن عباس .
لا يخالف هذه القاعدة ولا ينقض الأصل المقرر في هذا الباب فقد قالت
( في الإسلام ) وهذه قرينة بينة على أن المراد بالكفر هنا مادون الأكبر .
ولا يصح أن يقال عن الكفر الأكبر في الإسلام ولو أطلقت الكفر معرفًا باللام دون تقييده لتبادر إلى الأذهان حقيقة اللفظ وما وضع له فنفت هذا التوهم بتقييدها وهذا واضح للمتأمل .
وقد قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية ( 13 / 119 ) ( من ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدَّمها عليه من فعل هذا كفر بإجماع المسلمين ) ) .
وهذا حق لا خلاف فيه . وأعظم منه وأولى بنقل الإجماع على كفره من صدَّ عن شرع الله وبدَّل أحكام الدين وفرض على قومه تشريعات يتحاكمون إليها في أموالهم ودمائهم وأعراضهم زيادة على هذا حماية هذه التشريعات وتفريغ الجهود والطاقات في تقنينها والمجادلة عنها .
وقول بعض المعاصرين عن هذا الإجماع الذي نقله ابن كثير رحمه الله بأنه (( خاص بملوك التتار ومن تلبس بمثل ما تلبسوا به من نواقض الإسلام والتي منها الجحود والاستحلال للحكم بغير ما أنزل الرحمن ] هو مجرد ظن لم تسانده حقائق علمية ولا حجج قائمة .
وقد لحظت في أثناء قراءَة كلام الكاتب غارةً عمياء على حماة التوحيد ودعاة الإصلاح ومجازفات في الألفاظ والتعبير وسوء فهم لمقالات الأئمة وتحميل الكلام مالا يحتمل وأقرب مثال لذلك كلام الحافظ ابن كثير فقد قال فيه ما قال .
على أن الحافظ لم يتفرد بقوله ولا بنقله للإجماع . فخلق كثير من المتقدمين والمتأخرين يذكرون مثل هذا وأعظم .
وكيف لا يحكم بكفر من عطل الشريعة ونصب نفسه محللًا محرّمًا محسنًا مقبحًا وجعل محاكم قانونية لها المرجعية في الحكم والقضاء ولا يمكن مُساءَلتها أو التعقيب والاعتراض على أحكامها .
وحملُ الكاتب كفر التتار على الجحود والاستحلال ليس له وجه سوى تأثره بأهل الإرجاء من جعل مناط الكفر هو الاستحلال أو الجحود وهذا باطل في الشرع والعقل فالاستحلال كفر ولو لم يكن معه حكم بغير ما أنزل الله والآية صريحة في أنّ مناط الكفر هو الامتناع عن الحكم بما أنزل الله .
وكثير من المتأخرين متأثرون بمذاهب أهل الإرجاء الذين يقولون كل من أتى بمكفر من قول أو عمل فإنه كافر ولكنّ كفره ليس لذات العمل لكنه متضمن للكفر ودلالة على انتفاء التصديق بالقلب وعلامة على التكذيب .
وآخرون من غلاة المرجئة يمنعون من التكفير بالعمل (3) مطلقًا مالم يثبت عنه الجحود أو الاستحلال .
وهذا خلاف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين .
وقد اتفق أهل العلم على أن سب الله وسب الرسول صلى الله عليه وسلم كفرُُ ولم يشترط واحد منهم الاستحلال أو الاعتقاد بل يكفي في كفره مجرد ثبوت السب الصريح .
(1) سورة المائدة .
(2) والحكم بغير ما أنزل الله مراتب متفاوتة والكلام في هذا المقام على الذين وضعوا القوانين المخالفة لشرع الله وحكموا فيها بين الناس وجعلوها قائمة مقام حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم .
(3) وقول بعض أهل العلم ( لا نكفر أحدًا بذنب مالم يستحلَّه ) يقصدون بذلك الرد على الخوارج المكفّرين بمطلق الذنوب من الزنا والسرقة والكذب وشرب الخمر ونحو ذلك ولا يعنون بذلك امتناع التكفير بعمل كل ذنب فهذا باطل لم يقل به أحد من أهل السنة وقد تواترت الأدلة على خلافه فالذبح لغير الله والسحر والطواف على القبور وشبهها أعمال يكفر صاحبها بمجرد الفعل وفيه أقوال يكفر صاحبها بمجرد القول .
وقد اتفق الصحابة والتابعون وأهل العلم من المنتسبين للسنة على أن من قال أو فعل ما هو كفر صريح كفر دون تقييد ذلك بالجحود أو الاستحلال فإن هذا باطل لا أصل له وهو قول متناقض قد دل السمع والعقل على فساده .