3-إن دعاء القنوت الحالي وخاصة دعاء ختم القرآن يتغنى فيه كالقرآن، ولم ينقل مثل هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن أحد من سلف الأمة فيما بلغنا، فالتلاوة والتغني المعهود هو من خصائص القرآن الكريم، وأما الدعاء فالمشروع فيه والمنقول أن يكون على السجية والبساطة وليس فيها ذلك. ضعف دليل الدعاء عند ختم القرآن
4 -إن المستند الوحيد لهم على الدعاء عند ختم القرآن، هو ما نقل عن بعض السلف كأنس بن مالك (رضي الله عنه) أنه كان إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا لهم. ) رواه الدارمي"ص 734"وسنده ضعيف فيه صالح بن بشر المري وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات) ولم يرد أنه كان يفعل ذلك في الصلاة بل الظاهر من هذا الأثر أنه كان يفعل ذلك خارج الصلاة، فنقل هذا إلى الصلاة مخالفة أخرى وليس لها مستند البتة.
هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتقصد ختم القرآن؟
5 -هذا بالإضافة إلى أنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة أنهم كانوا يتقصدون ختم القرآن كله في صلاة قيام رمضان، ويجزئون القراءة بحيث يكملون الختمة في آخر الصلاة، بل كانوا على سجيتهم يقرؤون ما تيسر من القرآن. من المخالفة جعل الدعاء في الشفع 6- المشروع في دعاء القنوت في رمضان أن يكون الوتر من صلاة الليل- أي من الركعة الأخيرة- بينما أصحاب دعاء ختم القرآن قد جعلوه أيضًا في الشفع من هذه الصلاة، وليس لها أصل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من السلف.
الختم في ليلة السابع والعشرين مما أحدثه المعاصرون
7 -ومما أحدثه المعاصرون أنهم لم يجعلوا الدعاء في صلاة آخر ليلة من رمضان، بل في ليلة السابع والعشرين منه، وهذا من بنات أفكارهم، وليس له مستند إطلاقًا فإن قيل: لأن هذه الليلة ليلة القدر. نقول لهم: إن كون ليلة القدر في هذه الليلة أمر فيه خلاف بين الصحابة أنفسهم، وبين من بعدهم من العلماء كذلك، وليس هذا محل بسطه، وعلى فرض ترجيح ذلك فإنه لا يسوغ جعل دعاء ختم القرآن في هذه الليلة لعدم وجود ما يخصصه بذلك أو يرجحه على الليالي الأخرى. من أوجه المخالفة الإطالة الزائدة في الدعاء
التطويل في الدعاء من الاعتداء
8-إن الدعاء الحالي يطيلون فيه إطالة تتعب المصلين وتجهدهم وتدخل الملل إلى نفوسهم، وإنني أجزم بأنه من الاعتداء في الدعاء المنهي عنه والذي هو من الأمور المنكرة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم:"بأنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء"إسناده صحيح ومن ناحية أخرى فإطالة دعاء القنوت مما يشق على الناس ويوقعهم في الحرج، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم أشد النهي عن إطالة الصلاة فقد روى البخاري (1/172- 173) عن أبي مسعود - رضي الله عنه أن رجلًا قال: والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا. قال: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد غضبًا منه يومئذ، ثم قال:"يا أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم صلى بالناس فليتجوز فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة".
ولو نظرت إلى ما ورد من خطبه صلى الله عليه وسلم في الجمعة والعيدين ونحوهما لوجدتها قصيرة لا تكاد تزيد على عشر دقائق أو خمس عشرة دقيقة، وكذلك في دعائه صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء وغيره. فإنك لن تجد أطول دعاء له يبلغ خمس دقائق على أبعد تقدير، ومن شاء فليرجع إلى كتب السنة ليطالع صيغ أدعيته عليه الصلاة والسلام.
هدي النبي صلى الله عليه وسلم تقصير الدعاء
فهذه الإطالة غير معهودة في الشرع ومخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ويكفي لبيان ذلك أن نتذكر حديث عائشة رضي الله عنه فقد روى الإمام الترمذي رحمه الله تعالى عنها أنها قالت: يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة. ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني" (سنن الترمذي 5/534 وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ورواه كذلك ابن ماجة والحاكم عنها بألفاظ متقاربة، وصححه أستاذنا الألباني في(تخريج المشكاة 2091 وصحيح الجامع 4423) فهذا كل ما علم النبي صلى الله عليه وسلم عائشة أحب الناس إليه قاطبة إذا علمت يقينًا متى ليلة القدر، كلمات معدودات قليلات لا يتجاوز الدعاء بها لو كررت عشر مرات دقيقة واحدة."
فأين هذا مما اصطنعوه من الدعاء المملوء بالمترادفات التي لها من الصنعة البلاغية والبيانية نصيب كبير؟
الخير كل الخير في الاتباع وعدم الابتداع