فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
انظر كيف جعلت الآية العداوة والبغضاء نتيجة لنسيانهم (يعني تركهم أو إنكارهم) لما شرعه الله وذكَّرهم به، لا يقولن أحد إن هذه الآية وأمثالها إنما نزلت في الكفار فلا تطبقوها علينا نحن المسلمين، لا يقولن هذا لأن المسلم قد يتصف ببعض خصال الكفار وإن لم يكن كافرًا، وبقدر اتصافه بها تحدث له النتائج التي رتبها الله عليها، وذلك لأن كل المعاصي لا تكون أبدًا من آثار الإيمان، وإنما هي من نتائج البعد عنه، (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) ). كذلك كلما كثر ارتكاب الأفراد لما نهاهم الله عنه من الآثام كثر بينهم الخلاف والتباغض.
السبب الثالث:
هو التنظيم الاجتماعي الذي تقتضيه تلك الأخوة الإيمانية، المقصود بالتنظيم الاجتماعي ما يتعلق بالمسلمين باعتبارهم جماعة، فمما جاءت به الشريعة في هذا:
أولًا: أن المسلمين جماعة وليسوا مجرد أفراد، ولكي يكونوا جماعة فلا بد لهم من قيادة ينتظم بها شملهم وتتوحد بها كلمتهم، وهي القيادة المتمثلة في العلماء والأمراء، (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا) [سورة النساء:59] .
وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: (( من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية ) ) (1) .
ولتأكيد أهمية الجماعة وكونها لا تتأتى إلا بوجود إمامة جاءت الأحاديث الكثيرة التي تأمر بالنصح لهم، والسمع والطاعة ما لم يأمروا بمعصية، بل حثت على الصبر على جورهم، وعدم الخروج عليهم بالسيف ماداموا مقيمين للصلاة.
مبادئ تساعد على التعاون:
(1) أن الاجتماع أصل من أصول الدين؛ فلا يهدم بحجة الاستمساك بأمر هو من جزئياته، وقد كان ابن مسعود مراعيًا لهذا المبدأ لما صلى وراء أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه لمَّا أتم الصلاة في منى مع أن السنة هي قصرها، وعلل متابعته له بقول:"الخلاف شر" (2) . سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجل أفتى بأنه"لا تجوز الصلاة خلف أئمة المالكية، ومن صلى خلف إمام مالكي المذهب لم تصح صلاته، ويلزمه إعادة ما صلى خلف الإمام المالكي"؛ فأجاب:
"الحمد لله وحده، إطلاق هذا الكلام من أنكر المنكرات وأشنع المقالات؛ يستحق مطلقه التعزير البليغ... ويدخل صاحبه في أهل البدع المضلة، فإن مذهب الإمام الأعظم مالك بن أنس إمام دار الهجرة ودار السنة، المدينة النبوية التي سُنَّت فيها السنن وشرعت فيها الشريعة، وخرج منها العلم والإيمان، هو من أعظم المذاهب قدرًا وأجلها مرتبة... ... .... وكان لمالك بن أنس رضي الله عنه من جلالة القدر عند جميع الأمة: أمرائها، وعلمائها، ومشايخها، وملوكها، وعامتها، من القدر ما لم يكن لغيره من نظرائه، ولم يكن في وقته أجلُّ عند الأمة منه.... وكيف يستجيز مسلم يطلق مثل هذه العبارة الخبيثة، وقد اتفق سلف الأمة من الصحابة والتابعين على صلاة بعضهم خلف بعض مع تنازعهم في بعض فروع الفقه، وفي بعض واجبات الصلاة ومبطلاتها" (3) .
(2) ارتكاب أخف الضررين، هذا مبدأ عقلي يلتزم به معظم الناس في حياتهم الخاصة، فما من عاقل يخير مثلًا بين أن يقتله اللصوص أو يأخذوا ماله إلا فضل الضرر الثاني على الأول، لكن بعض الناس ينساه في مجال الحياة العامة، وذلك أنهم يظنون خطأ أنه لا مجال في الدين لقبول أنصاف الحلول، فإما الحق كله أو تركه كله، فيخلطون بين منطق العقيدة الذي لا يقبل مساومة ومنطق العمل الذي لا بد فيه من النقص والتقصير. منذ أعوام مضت شاعت بين بعض الشباب عبارة تنسب للأستاذ سيد قطب عليه رحمة الله يقول فيها:"خذوا الإسلام جملة أو دعوه"، فصاروا يرون أن لا فرق بين دولة تطبق شيئًا من الإسلام ودولة تتركه كله، بل صار بعضهم يعتقد أن الثانية خير من الأولى لأن موقفها صريح لا نفاق فيه، هذا مع أن العبارة لو أُخذت بحرفيتها صار كل مسلم، ما عدا الرسول صلى الله عليه وسلم مقصرًا، لأنه ما من أحد بعده صلى الله عليه وسلم يمكن أن يأخذ الإسلام كله فيفعل كل الواجبات والمندوبات ويترك كل المحرمات والمكروهات، أما في مجال الاعتقاد فنعم لا يكون الإنسان مسلمًا إذا هو أنكر شيئًا من الدين يَعلم أنه منه مهما كان ذلك الشيء كبيرًا أو صغيرًا، ولكن حتى في مجال الاعتقاد فإن الذي يكفر ببعض الدين أقل شرًا من الذي يكفر به كله، والذي يكفر به كله أقل شرًا من الذي يكفر به ويصد عنه، (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابًا فوق العذاب بما كانوا يفسدون) [النحل: 88] .