فهرس الكتاب

الصفحة 20801 من 27345

ومن هنا جعل الدين لأهل الكتاب مكانة أخص من التي جعلها لسائر الكفار، ثم إن هذه العبارة ليست دقيقة لأنها تأمر من لا يأخذ بالإسلام كله أن يترك حتى الجزء الذي أخذ به، مع أن النصح لأمثال هؤلاء أن يأخذوا بما تركوه لا أن يتركوا ما أخذوا به. ولذلك قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) [سورة البقرة: 44] :"وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له، بل على تركهم له، فإن الأمر بالمعروف معروف، وهو واجب على العالم، لكن الواجب والأولى بالعالم أن يفعله مع أمرهم به، ولا يتخلف عنهم، كما قال شعيب عليه السلام: (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب) [سورة هود: 88] ."

فكل من الأمر بالمعروف وفعله واجب، لا يسقط أحدهما بترك الآخر، على أصح قولي العلماء من السلف والخلف.

والعقاب الذي توعد الله به الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض في الآية التالية، إنما هو عقاب لهم على ما كفروا به لا على ما آمنوا به: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلاّ خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب) [سورة البقرة: 85]

(3) التعاون مع كل من يريد تحقيق أمر هو خير بمقياس الدين، بغض النظر عن كونه مسلمًا أو غير مسلم، برًا أو فاجرًا، منافقًا أم صادقًا، حاكمًا أو محكومًا. وقد عبر عن هذا المبدأ الإمام ابن القيم بما لا مزيد عليه، قال رحمه الله في بيانه للفوائد الفقهية المستفادة من صلح الحديبية، في كتابه العظيم زاد المعاد:"ومنها أن المشركين وأهل البدع والفجور والبغاة والظلمة إذا طلبوا أمرًا يعظمون فيه حرمة من حرم الله تعالى أجيبوا إليه وأعطوه وإن منعوا غيره، فيعانون على ما فيه تعظيم حرمات الله تعالى لا على كفرهم وبغيهم ويمنعون مم سوى ذلك، فكل من التمس على محبوب لله تعالى مرض له أجيب إلى ذلك كائنًا من كان، ما لم يترتب على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه، وهذا من أدق المواضع وأصعبها، وأشقها على النفوس، ولذلك ضاق عنه من الصحابة من ضاق."

(4) أن يبني الموقف من الحكومات المسلمة على النصح، الذي يقصد إلى الإصلاح، ويعين عليه، وينهى عن الفساد ولا يشارك فيه، لا المعارضة الجاهلية التي لا غاية لها إلا إسقاط الحكومة بالتركيز على عيوبها والمشاركة في كل ما من شأنه أن يؤدي إلي ذلك السقوط.

(5) أن لا تكون الأهواء والمصالح الشخصية أو الحزبية أو التعصب للرأي هي القاعدة التي تبنى عليها الموافقة والمخالفة، بل إن المسلم يسمع ويطيع وإن أصابه ظلم في شخصه، لأنه يعلم أن طاعته ليست عبودية لفلان أو فلان من الحكام والرؤساء، وإنما هي طاعة لله تتحقق بها وحدة المسلمين وجماعتهم.

(6) الوعي بالمخططات والسياسات التي يدبرها الأعداء في الداخل والخارج، وما أكثرها في زماننا هذا! إن من يرى عظم الشر الذي سيصيب المسلمين جراء هذه المخططات يهون عليه كل خلاف بينه وبين إخوانه المسلمين، ويدرك ضرورة تعاونه معهم لدرء تلك الشرور.

الأحزاب والتجمعات:

مما شاع في عالمنا في عصرنا هذا تكوين الجماعات لأغراض سياسية أو دينية أو اجتماعية أو علمية أو غيرها. وبما أن انفراد بعض الناس باسم أو شعار أو نشاط قد يكون سببًا من أسباب الخلاف بينهم وبين غيرهم، وبما أن واجبنا هو السعي لأن يكون المسلمون أمة واحدة، كان من واجبنا أن نجتهد في إيجاد تصور لهذه الأحزاب والجماعات يكون متسقًا مع هدي الإسلام الداعي إلى التعاون وعدم التفرق. وفيما يلى اقتراحات أولية في هذا السبيل.

(1) لا بأس بل قد يكون من اللازم في بعض الأماكن وبعض الأحوال أن يتجمع أفراد من المسلمين للتعاون لتحيق غاية خيرة جزئية كانت أو كلية. لكننا ابتلينا في دهرنا هذا بتقليد كثير من الصور والمبادئ الغربية حتى في جماعاتنا الإسلامية. إنه لا يجوز مثلًا أن تجعل الجماعة من نفسها دولة داخل دولة إسلامية، بل يجب أن يكون نشاطها، في نطاق هذه الدولة، و ردءا لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت