فهرس الكتاب

الصفحة 20802 من 27345

(2) مما يساعد على التعاون، أو على الأقل تقليل الخلاف بين المنتمين إلى جماعات وأحزاب مختلفة، ومما هو من لوازم احترام عقول أولئك الأفراد أن تصدر الجماعة أو الحزب رأيًا أو يعلن موقفًا مستندًا إلى حجج ومسوغات تُعلن معه. إن من أضر ما رأيت في تجربتنا السياسية الاعتماد في مشروعية الرأي أو الموقف على قرار الزعيم أو على مجرد الأغلبية من غير نظر إلى الأسباب التي بُني عليها القرار. لقد بدأ الكثيرون منا يعتقدون خطأ أن الاعتماد على مجرد عدِّ الأصوات الموافقة والمعارضة هو ما تقتضيه الشورى. مع أن المقصود من الشورى إنما هو تداول الرأي للوصول إلى الحق أو إلى ما هو أقرب إليه. فالشورى مأخوذة لفظها من قولهم شار العسل إذا استخرجه من الخلية. فكأن المقصود بالشورى هو استخراج أحسن أما في العقول من الآراء والمعلومات كما يستخرج العسل من الخلية. ثم إن الشورى مرتبطة بالتراضي. ولذلك قال تعالى: (فإن أرادا فصالًا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما) [سورة البقرة:233] .

أما الاعتماد على مجرد الأغلبية فهو بمعزل عن التراضي، بل كثيرًا ما يكون بداية لشقاق وانشقاق. ثم إن في الاعتياد بأخذ رأي الأغلبية من غير نظر إلى الحجج والمسوغات مدعاة إلى جعله مصدرا للتشريع كما هو الحال في المبدأ الديمقراطي، مع أن مصدر التشريع عندنا هو حكم الله تعالى، والشورى محاولة للوصول إليه أو الاقتراب منه. إن جعل الأولوية للحجج والمسوغات من شأنه أن يحفز الناس إلى البحث عن الأدلة ومن شأنه أن يحفزهم إلى إعمال عقولهم.

(3) أرى أن تكون اجتماعات الأحزاب والجماعات معلنة، وكذلك نتائج التصويت. من فوائد إعلان نتائج التصويت أنه يساعد على جعل الخلاف فرديًا بدلًا من أن يكون جماعيًا. هب أن هنالك جماعتين أو حزبين، تتكون قيادة كل منهما من عشرة أشخاص. وهب أنه عرض عليهما موضوع مهم كاتفاقية الجنوب للموافقة عليها أو معارضتها. هب الآن أنه بعد التداول والإدلاء بالحجج كانت نتيجة التصويت 6 إلى 4 مؤيدين بالنسبة للحزب الأول، و6 إلى 4 معارضين بالنسبة للحزب الثاني. وأن كلًا من الحزبين نشر حجج كل من المؤيدين والمعارضين ونتيجة التصويت. هذا يعني أن الأعضاء المنضمين للحزبين سيختلفون هم كذلك في رأيهم، وسيجدون أن الخلاف بينهم وبين الحزب الآخر ليس في حقيقته خلافا حزبيا يجعل أحدهما معاديا للآخر، لأن كل عضو في أحد الحزبين سيجد من يوافقه على رأيه من أعضاء الحزب الآخر. أما إذا دبر الأمر كله بليل، ثم قيل للأتباع إن حزبكم العريق قرَّر كذا وكذا من غير حجة ولا بيان لمن وافق ومن عارض كان التعصب وكانت العداوات والخصومات.

وهذا معناه أنه سيسمح للمعارض بإعلان رأيه إعلانًا عامًا حتى في جرائد الحزب. إن إظهار الحزب بأنه كتلة واحدة متجانسة متفقة في كل شيء تكذيب للواقع، وتشجيع للتبعية وروح القطيع. وهذه كلها أمور تتنافى مع ما يدعو إليه الدين من أمانة علمية، وصدع بالحق، واجتناب للتقليد. وهو مخالف لما درجت عليه الأمة المسلمة التي لم يمنع انتساب علمائها إلى بعض المذاهب من أن يخالف الواحد منهم مذهبه، فما من مذهب إلا وخالف فيه بعض الأئمة إمام المذهب، وما من علماء في المذهب إلا وخالفهم علماء آخرون. هكذا كان الأمر أيام كانت الأمة حية، ولم يعم التقليد وينتشر الجهل وتعمى البصائر فتنحط الأمة وتغدو لقمة سائغة لأعدائها.

من أين أتينا إذن بمبدأ الالتزام برأي الأغلبية الذي صار كالأصل المتفق عليه في الجماعات الإسلامية؟ أما بعض الجماعات التي أعرفها فلا شك عندي أنها قلدت فيه الحزب الشيوعي. كما ذكرت ذلك في محاضرات سابقة. للشيوعيين مبدأ يسمونه الديمقراطية المركزية، مركزية بمعنى أنها ليست عامة بل خاصة باللجنة التي تمثل قيادة الحزب. تقول هذه القاعدة إنه من حق أعضاء هذه اللجنة أن يعبروا عن آرائهم ويدافعوا عنها ما داموا مجتمعين وما داموا لم يتخذوا إزاءها قرارا. فإذا ما اتخذوا قرارهم بالأغلبية، وجب على كل عضو أن يلتزم بهذا الرأي ويدافع عنه حتى لو كان من المعارضين له قبل التصويت. بل إن هذا القرار يصبح جزءا من الشيوعية التي هو ملتزم بها. وقد ذكر بعض الدارسين لتاريخ الشيوعية من الغربيين إن الشيوعية تأثرت في هذا بالكنيسة الكاثوليكية. فكأنهم قالوا إنه كما أن للكاثوليك مصدر هو البابا يعد قراره ملزما دينا، فإن لنا لجنة يعد قرارها ملزما شيوعيا. أما نحن المسلمين فإن الأمر الوحيد الملزم لنا قولًا وفعلًا إنما هو نصوص الكتاب والسنة وما استنتج منها استنتاجًا قطعيًا. أما آراء الأفراد واجتهاداتهم، وأما أوامر الحكام فلا تكون ملزمة قولًا وإنما تكون ملزمة عملًا ما دامت لا تخالف شرعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت