وهذا الأمر هو الذي أمر الله تعالى به: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ، رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ، رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ } [آل عمران:190-194] .
ومن أخطر الأمراض التي لابد من معالجتها مرض الاختلاف والفرقة التي بين المسلمين.. هذا الخلاف الذي استشرى في الناس حتى إنك لتجده بين الزوج وزوجته، وبين الأخ وأخيه، وبين أهل المسجد الواحد، وبين أهل الطائفة الواحدة وهذا مما أخبر به النبي- صلى الله عليه وسلم - حيث قال: (فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا) ، وقال: (وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قيل: ومن هم؟ قال: الجماعة) .
وعلاج هذا الداء يتمثل أولًا في معرفة ما لا يسعنا مخالفة، ولا يجوز لنا مفارقته، وهو ما نزل من البينات.. قال الله تعالى: { وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ } [آل عمران: من الآية105] ، والبينات هي الكتاب والسنة، ولذلك قال النبي- صلى الله عليه وسلم: (إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة) .
فنبدأ أولًا بمعالجة مرض الجهل بالعلم لأنه هو الذي يعالج لنا قضية الاختلاف، لأنه متى علمنا الحق بالتفصيل لم نجد للبدعة مساغًا، ولا تجد لها طريقًا، وقلَّت خلافاتنا، ثم مع وجود النية الصالحة سوف تحل معظم المشاكل والاختلافات.. فبالعلم الصحيح والنية الحسنة تحل معظم المشاكل والاختلافات، ويسهل معالجة قضية الاختلاف لأننا سوف نعرف الضوابط الأساسية التي لا يمكن أن نتجاوزها.. يسعنا ما وسع السلف ولا يسعنا ما لم يسعهم، وبدون هذه الضوابط وتلك القواعد المحددة المعالم سوف نجد كل يوم كمًّا غير محتمل من الاختلافات لا يمكن ضبطه، ولا يمكن أن نبين للناس شيئًا لأن كلًا منهم معجب برأيه كما في الأثر -على ضعفه, لكن معناه حسن- (إذا رأيت شحًا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك) .
وذلك أن الأمر إذا آل إلى تلك الحال فلن نستطيع أن نحل مشكلة من تلك المشكلات، ولذلك يجب عند مواجهة الاختلاف حول مسألة ما أن نؤسس الأسس السليمة لمعالجة هذه القضية بمعرفة ما لا يسعنا أن نختلف فيه، ثم بعد ذلك نعرف أن ما كان من خلاف بين أهل العلم وسع الصحابة ومن بعدهم من العلماء لأنه خلاف في فهم بعض نصوص الكتاب والسنة فقط إذا لم يجمعوا على فهم معين، ومعرفة الكتاب والسنة لابد أن تكون بفهم سلف الأمة من الصحابة ومن بعدهم؛ فإجماعهم على مسألة ما يقتضي أن لا يسعنا أن نخالفهم، فإذا لم يصطدم الخلاف بشيء من ذلك من الكتاب والسنة والإجماع وكذا القياس الجلي فلابد أن تتسع له صدورنا، وأن نتحمل في ذلك ما تحمله من قبلنا .
ويوجد من أنواع الخلاف بين المسلمين ما لا يمكن أن يقبل وهو ما يصادم البينات من نصوص الكتاب والسنة، فمثلًا هل نقبل خلاف من يسب أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم -؟ وتجد دندنة حول هذا الموضوع، هل نقبل من ذلك شيئًا؟ هل وسع السلف أن يقبلوا الرافضة الذين يسبون أبا بكر وعمر ويلعنونهم ويلعنون الصحابة ويكفرونهم؟.. هل كان موقف الصحابة من الخوارج الذين يكفرون الأمة (يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه) ؟!، فضلًا أن يطبق هذا مع اليهود أو النصارى أو باقي المشركين ومن يحبهم ويواليهم.. هل كان موقف السلف- رضي الله عنهم - من نفاة القدر القول بأن (يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه) أم قالوا كما قال ابن عمر- رضي الله عنه: (إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أني منهم بريء، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أنفق أحدهم مثل أحدٍ ذهبًا ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر) .
وكذلك قضية عبادة القبور والطواف حولها والنذر لها، هل وسع السلف ما وسع الناس اليوم بجهلهم وأنه لا يوجد ما يقتضي الخلاف والإشكال إذا كنا مسلمون وكلنا يجب أن نكون أولياء لله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.