ولا يلزم من ذلك أن نحكم على أعيان من فعل ذلك بالخروج من الملة، بل لا يكفر المعين إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، وإنما المراد استجلاء القضايا الكبرى وتوضيحها حتى تكون ظاهرة بينة أمام أعيننا وأعين الناس، ولذلك بدأنا بالعلم لأنه بدون العلم لن ينفض المختلفون من مجالس الخلاف غير مختلفين، وكذلك النية الصالحة لأنه يمكن أن يكون هناك علم ولا تكون النية حسنة في إرادة ما عند الله ونبذ إرادة الدنيا فلن يكون إذًا إلا مزيد الاختلاف؛ لأن الدنيا هي في الأصل مجال التنافس وكما قال النبي- صلى الله عليه وسلم: (ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسها من قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم) .
فبدون النية الصالحة والعلم النافع لن يزول الخلاف حتى ولو كانت المناهج واحدة، ثم لابد من معالجة هذا الأمر بمعرفة ما يسعنا وما لا يسعنا.. فهناك خلاف لابد أن نهدره، وهناك خلاف لابد أن نحتمله وتتسع له صدورنا، وهناك خلاف لابد أن نستثمره وهو اختلاف التنوع وهو اختلاف الرحمة ولكن ليس كما يقول الناس في كل شيء (اختلاف أمتي رحمة) -ينسبونه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس بصحيح- فتجدهم وقد اختلفوا في الربا مثلًا.. بعضهم يأخذ بفتوى من يحرمه والآخرون يأخذون بفتوى من يحله والعياذ بالله -يعني يحله بالتأويل ويجعله من باب الاستثمار- يقول الناس في ذلك وأمثاله: (هذا اختلاف رحمة فقد قال بهذا عالم وقال بهذا عالم) ، فيقال: ليس هذا خلاف رحمة ولكنه خلاف نقمة وعذاب لا يحتمل مثله أن يكون سائغًا في الدين فضلًا عن أن يكون رحمة للناس.
ولكن اختلاف الرحمة اختلاف طاقات الناس وقدراتهم، فبعض الناس له همة في علم التوحيد، وآخر له همة في علم الحديث، وثالث له همة في علم التفسير، كلٌ منهم يتقن علمه أكثر من الآخر، فإذا جمعنا هؤلاء وجمع كل منهم إلى علمه علمَ الآخرين نحصل على أفضل الأحوال وأكمل الأنواع مع اشتراط أن يحصل كل واحد منهم فرض العين الذي عليه علمًا وعملًا.
ومن ذلك أيضًا خلاف لا يصادم أصحابه البينات فأصحابه مرحومون، ولا يقال أنه في ذاته رحمة, إنما الرحمة لأصحابه إن أصاب أحدهم فله أجران وإن أخطأ فله أجر، وهو الخلاف الذي لا ترد به النصوص ولا يرد به الإجماع ولا القياس الظاهر الجلي.
وأما الاختلاف الذي هو في ذاته رحمة فهو اختلاف يؤدي إلى التكامل والتعاون، وذلك كما في أمور الدنيا تجد بعض الناس يتقن الطب، والبعض يتقن علم الهندسة، وآخرون يتقنون البناء، وآخرون يتقنون التجارة، وإنما تجتمع مصالح الناس كلها باجتماع هذا كله، فلو أن الناس كلهم أطباء أو تجار فلا يمكن أن تسير الحياة بهذا.. وفي الشأن الواحد من شئون الناس لابد أن تجد هذا التنوع والانقسام، فالتجارة مثلًا لابد أن يكون هناك من يتاجر في العطارة ومن يتاجر في البقالة ومن يتاجر في الحديد ومن يتاجر في السيارات حتى تتم مصالح الناس فصار اختلافهم رحمة بينهم.
وهكذا الأمر في أمور الدين، فتجد المهتمين بأمور دينهم على أحوال شتى منهم من يهتم بكفالة اليتيم، ومنهم من يهتم بتعليم أولاد المسلمين، ومنهم من يهتم بأمر النساء، ومنهم من يهتم بمن خارج المسجد، ومنهم من يهتم بمن داخل المسجد، وهكذا.. ولكن لابد من وجود قاعدة أصلية للجميع تقتضي توافر الحد الأدنى لكل منهم من العلم والعمل يطبقه على نفسه ثم يتخصص بعد ذلك.
وفي الشاهد من أمور الدنيا مثاله, فكافة المشتغلين بعلوم الدنيا لابد حتى تتنوع اختصاصاتهم أن يصلوا أولًا جميعًا إلى حد أدنى من التعليم والمعرفة فتجدهم كلهم مشتركين في تلك المعرفة وهي مراحل التعليم المختلفة حتى إذا نال أحدهم شهادة الجامعة أمكنه بعد ذلك أن يتخصص في فرع من فروع العلم، فتجدهم في المراحل الأولى متماثلون حتى إذا ما هيئوا لأعلى من ذلك صاروا إلى مناهج شتى.
فتلك أسس معالجة قضية الخلاف بين المسلمين فهناك خلاف مهدر وهو ما صادم البينات، وهناك خلاف محتمل وهو ما لا يصادم البينات ووسع السلف- رضي الله عنهم -، وهناك خلاف يستثمر فيه يدعم كل واحد صاحبه ويساعده دون أن توجد بينهم عصبية جاهلية لطائفة دون أخرى إذ الكل متعاونون متآزرون.
وهذا بعض ما وجب التنبيه عليه والتنويه إليه مع الإقرار بالتقصير في البيان والتحرير, ولكنه الإشارة بمختصر العبارة إلى تلك الأمراض وما يعم بها من الفساد, والله المستعان ونسأله الإعانة على ذكره وشكره وحسن عبادته.
وكتبه
ياسر برهامي
الإعداد والتنسيق:
براحة الدورات الشرعية والبحوث العلمية
بمنتدى البراحة
تحت إشراف مشرف القسم الإسلامي بالمنتدى
أبو الفرج المصري