فهرس الكتاب

الصفحة 20933 من 27345

ولا يصح إيراد الاعتراض الساذج على هذه العمليات بالحكم الشرعي بأن قتل النفس من بين المحرمات، وذلك لأن قتال العدو وما يترتب عليه من قتل النفس يأتي استثناء من تحريمها، وإذا كان الاستثناء قد جاء في عملية القتال مع العدو فهو يصدق على الجهتين- قتل النفس أو قتل الآخر - بشروطهما المذكورة أعلاه ونخص بالذكر والتأكيد الشروط الآتية:

-اشتراط الضرورة.

-واشتراط حصول غلبة الظن في تحقيق المصلحة والنكاية بالعدو، على المستوى البعيد إن لم يكن على المستوى القريب.

-واشتراط أن تقررها قيادة شرعية خبيرة.

وفي شرح هذه الضرورة يقول الأستاذ الدكتور عجيل النشمي أستاذ الشريعة بجامعة الكويت: (أن يكون قتل النفس الطريق الوحيد لإحداث القتل في العدو أو الطريقة الأكثر تأثيرا بالعدو، فإذا غلب على الظن أن هذا الأسلوب في القتل لن يؤثر في العدو، ولن يحقق قتل أحد منهم، أو كانت هناك وسائل أنجح في تحقيق الغاية، فلا يقدم على هذا العمل) [نقلا منا من إسلام أونلاين] .

وكما يقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي عند ما يكونون:"مضطرين لهذا الطريق لإرعاب أعداء الله، المصرين على عدوانهم، المغرورون بقوتهم، وبمساندة القوى الكبرى لهم والأمر كما قال الشاعر قديمًا:"

إذا لم يكن إلا الأسنة مركب ... فما حيلة المضطر إلى ركوبها؟!).

ومن أهم شروطها؛ نية الجهاد في سبيل الله؛ إذ يدافعون ضد الاحتلال عن أرضهم - وهي أرض الإسلام - وعن دينهم وعرضهم وأمتهم، وهذه هي الفارقة بينها وبين الانتحار، وهو فرق في الأثر كما هو فرق في النية.

ففي الأثر - و على مستوى العمليات الحربية: يتحقق بها للمقاتل المسلم تصحيح لميزان الردع المائل أصلا بسبب ضعف السلاح في يد الجيش المسلم، وهنا يأتي تصحيح هذا الميزان عن طريق هذه العملية الاستشهادية التي لا يملك العدو منها شيئا باعتبارها سلاحا شديد الخطر، يتمثل هذا السلاح فيما يقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي: (أن يصبح المجاهد"قنبلة بشرية"تنفجر في مكان معين وزمان معين في أعداء الله والوطن، الذين يقفون عاجزين أمام هذا البطل الشهيد، الذي باع نفسه لله، ووضع رأسه على كفه مبتغيًا الشهادة في سبيل الله) .

كما أنه فرق في النية، وكما يقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي: (إن هذه العمليات تعد من أعظم أنواع الجهاد في سبيل الله، وهي من الإرهاب المشروع الذي أشار إليه القرآن، في قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} [الأنفال: 60] . وتسمية هذه العمليات"انتحارية"تسمية خاطئة ومضللة، فهي عمليات فدائية بطولية استشهادية، وهي أبعد ما تكون عن الانتحار، ومن يقوم بها أبعد ما يكون عن نفسية المنتحر. إن المنتحر يقتل نفسه من أجل نفسه، وهذا يقدم نفسه ضحية من أجل دينه وأمته... المنتحر إنسان يائس من نفسه ومن روح الله، وهذا المجاهد إنسان كله أمل في روح الله تعالى ورحمته... المنتحر يتخلص من نفسه ومن همومه بقتل نفسه، والمجاهد يقاتل عدو الله وعدوه بهذا السلاح الجديد، الذي وضعه القدر في يد المستضعفين ليقاوموا به جبروت الأقوياء المستكبرين) .

وكما يقول الأستاذ الدكتور عجيل النشمي في التفرقة بين هذه العمليات وبين الانتحار:(الانتحار يحتاج إلى القصد، فإن انتفى القصد فلا يعد الفعل انتحارا. والمراد أن يقصد الانتحار أساسا ولا يتحقق ذلك بمجرد أن يقع منه القتل على نفسه.

فقد روى أبو داود عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أغرنا على حي من جهينة فطلب رجل من المسلمين رجلا منهم، فضربه فأخطأه، فأصاب نفسه بالسيف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخوكم يا معشر المسلمين، فابتدره الناس، فوجدوه قد مات. فلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بثيابه ودمائه، وصلى عليه. فقالوا: يا رسول الله أشهيد هو؟ قال: نعم، وأنا له شهيد".

وقد جاءت هذه القصة بتسمية من وقعت لهم: وذلك فيما روي عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، قال:"قلت: يا رسول الله، زعم أسد بن حضير أن عامر بن سنان بن الأكوع حبط عمله؟! وكان ضرب يهوديا فقطع رجله ورجع السيف على عامر فعقره فمات منها، فقال: كذب من قال ذلك، إن له لأجرين، إنه جاهد مجاهد") [المصدر:"السير الكبير"لمحمد بن الحسن الشيباني وشرحه للسرخسي 1/102] .

وكما يقول الدكتور النشمي: (والشاب الذي يقتل نفسه بحزام ناسف أو سيارة أو أية وسيلة لا يعتبر منتحرا، إلا إذا قصد أن يقتل نفسه دون غاية من وراء ذلك، فإن كان قصده من التسبب بقتل نفسه بهذه الوسائل إحداث القتل والنكاية بالعدو، وإعلاء كلمة الله، فلا يعد منتحرا بل يعد شهيدا إن شاء الله، ولا شك أن التسبب بقتل النفس بفعل مباشر من الشخص أشد على النفس من قتل الغير له، فهذه"شهادة"مع"عزيمة"، وهذا الحكم ليس مطلقا وإنما هو مقيد بقيود إن توافرت كان شهادة إن شاء الله) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت