فهرس الكتاب

الصفحة 2104 من 27345

وأخيرًا: إعداد ومواجهة لا إخلال ومداهنة: الله عز وجل يقول: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ... [60] } [سورة الأنفال] .والإعداد شامل لكل أنواع الإعداد: من إعداد النفوس والأجسام، وإعداد العدة والعتاد، وإعداد الأمة توحيدًا لصفوفها، وجمعًا لكلمتها، وإصلاحًا لأحوالها، والله قد بيّن لنا ما ينبغي أن نكون عليه ؛ حتى لا نكون مداهنين لأعدائنا، خوفًا منهم، أو رغبة فيما عندهم، والناظر اليوم يرى أحوالًا عجيبة، سواءً كان ذلك على مستوى الأفراد أو المجتمعات والدول ؛ فإن بعضًا منها تعلن أنها لا تعد، وأنها لا تواجه، بل إنها تسعى إلى مداهنة ومجاملة، وإلى شيء مما تظن أنها ترضي بها أولئك الأعداء، ولم تفقه بعدُ- رغم كل ما جرى ويجري- أنه لا يُرْضِي أولئك إلا انسلاخ تام من الدين، وانقطاع كامل عن الأمة، وانبتات تام عن تاريخها. إنهم يريدون أن يهيمنوا ويسيطروا بكل ما تعنيه هذه الكلمة في كل ما تشمله الهيمنة: في اقتصاد، أو سياسة، أو غير ذلك.

ونحن نقول لابد للأمة أن تأخذ بأسباب هذا الإعداد، وربما يقول الناس إنها كلمة مطلقة، ونحن نقول: نعم إنها واسعة المدى ما الذي فعلته فيما تملكه بيدك؟ لم تكون أنت مستقبلًا للأضرار والمفاسد والمخاطر التي يقدمونها لنا؟ لماذا ينتجون الأفلام المفسدة الفاسدة ونحن نشتريها بأموالنا؟ ونشاهدها ونعرضها على أبنائنا وفي قنواتنا؟ أليس بإمكاننا أن نقطع هذا ونمنعه؟ لماذا يصنعون ونشتري دون أن نجتهد في أن نصنع وأن نكتفي بذواتنا ؟

إن هذه القضايا الأولية مبدئية من جهة، وهي بداية لمثل هذا الإعداد، إن كان أحدنا لا يريد أن يتخلى عن نوع بعينة من شراب أو طعام دون أن يستشعر أن هذا يعود ماله لأولئك اليهود، أو لأولئك الصهاينة، أو لأولئك الصليبين، أو غير ذلك، ثم يقول من بعد ذلك إنه يريد أن يكون مواجهًا لأعداء الله، ونحن نقول لابد للأمة أن تأخذ بكل الأسباب في الاكتفاء الاقتصادي، والاستقلال السياسي .

ومما يعين على هذا: التكامل فيما بين الأمة عمومًا، وحتى نحن نستطيع أن نحقق تكاملًا جزئيًا فيما بيننا.

ولا شك أن من هذه الصور في الإعداد: ترك الترف والسرف واللهو والعبث ؛ لأن هذا ليس من الإعداد، إن الأمة اليوم ينبغي أن تكون أمة جدّ واجتهاد، وأمة حزم وعزم، وأمة قوة وشدة لا مجال للرخاء والارتخاء .. لا مجال لكثرة الملهيات والمغريات، مازلنا إلى اليوم وقد عادت، كل وسائل الإعلام إلى ما كانت عليه وربما أشد، مازلنا نرى الرقص والغناء والطرب، والكرة المستديرة هي الشاغل الأكبر والمقصود الأعظم، كأنما ليس للأمة من اهتمام، أو شيء تنشغل به إلا مثل هذه الأمور.

كيف يمكن أن تكون أمة في مواجهة عدو أو في مرحلة مواجهة، ثم إذا بها تعطي هذه المساحات الواسعة، والعناية والاهتمام الذي نراه في أي ميدان من الميادين، وكأنما قد اختصر المجد والتقدم في رنة نغم، وركلة قدم، وجرّة قلم، دون أن تكون هناك صور البناء والجد الحقيقية .

لماذا تغيرت بعض هذه الأحوال قليلًا ثم عادت كأن شيئا لم يكن؟ إن الأمة إن لم تستيقظ رغم كل هذه الكوارث والنكبات التي مازالت قائمة، بل هي متوالية، بل ربما هي اليوم مشتدة أكثر فأكثر، والناظر في الأحوال يعلم ذلك، وما يجري في فلسطين وما يجري في غير فلسطين من أثر حرب العراق وما تلاها واضح بيّن، كيف تفرض الأمور وكيف تُغيّر؟ وكيف تدار بما تدور رحاه على الإسلام والمسلمين، وعلى الثابتين على دينهم القائمين على مواجهة أعدائهم؟

ومع كل هذا نحن مازلنا نقول: إننا في مراحل وكأنما هي قد انتهت مخاطرها، أو خفت حدتها، أو أصبحت نوعا من الأمور المعتادة التي لا نحتاج فيها إلى تذكر وانتباه .

لعلنا نقول بمجمل مثل هذه القضايا التي قلناها، نجد أنفسنا ملزمين بها، ونجدها أمانة في أعناقنا وواجبًا على كواهلنا ؛ فإن نحن قصّرنا فيه كنّا من أسباب ضعف الأمة، وكنّا من أسباب حلول البلاء، وكنّا من أسباب ارتفاع الرحمة، وكنّا من أسباب ابتعاد النصر ؛ فإن كل ذلك مربوط بسنة الله - عز وجل -، وسنته لا تحابي أحدًا، ولذلك ينبغي أن نجتهد في كل هذه المعاني التي ذكرناها، ومن وراء ذلك يخاطب كل الناس، وكل أفراد الأمة من العلماء والأمراء وأصحاب الأمر والنهي بواجباتهم ويذكرون بها ؛ فإن لم يقوموا بذلك فليس ذلك عذرًا لك ؛ فإن الحجة قائمة عليك، وإن المسئولية بين يدي الله فردية، وإن الله سائلك عن كل ما استرعاك من رعية، وكل ما أعطاك من إمكانية، وكل ما فسح لك من العمر، وكل ما أعطاك من الطاقات والإمكانات ما فعلت بها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت