تزكية الكتاب لاتعني خلوه من الخطأ: فكثير من الكتب التي نذكرها لك لاتعني أنك مطالب بأن تعتقد مافيها اعتقادًا من دون تمحيص، ولاتعتقد أنَّا غفلنا عن بعض أخطاء كاتبيها، أو ضعف بعض أحاديثها، أو شيء من ذلك . فعندنا الكتاب الذي يغلب خيره وصوابه على خطأه هو الكتاب الذي يكون في المنهج، ولا يوجد كتاب خالٍ من الخطأ بعد كتاب الله جل وعلا إلا صحيح البخاري وصحيح مسلم، وكل الكتب الأخرى لاتخلو من حديث ضعيف، أو رأي مرجوح، أو رواية يمكن أن تناقش، أو زلة من الكاتب بشكل ما .
لايمكن تدوين قائمة كاملة بالكتب الموثوقة لعدم وجود كتب موثوقة في بعض الأبواب: ولذلك فمن الضروري انتظار خطة تهذيب الكتب، إذ يخلو الباب التاريخي من كتاب شامل موثوق، وحتى الفقه لم يدون إلى الآن بمعايير نموذجية . فعلى كثرة كتب التراث الإسلامي، فإنها إلى الآن ناقصة من الكتب النموذجية التي يفترض أن تعطي حدًا وسطًا في المعلومات وسليمًا من الإغرابات والضعف، ويكون ملتقى وقاسمًا مشتركًا للجميع . والواجب أن يكون هناك في كل باب كتاب منهجي، وصفة أي كتاب منهجي هي:
شامل لكل شيء .
بسيط في عرضه للمعلومات .
ليس فيه تعقيد بل المواطن الصعبة مشروحة فيه .
يبعد عن الخلافات والإغرابات البعيدة، التي ليست هي من قول جمهور الفقهاء.
إن في المجلات الإسلامية علمًا ضروريًا يكافيء ما في الكتب: ونظرًا لصعوبة حيازتها جميعًا فإن من اللائق إصدار مجلة تنشر أهم المقالات الموجودة فيها، فالمجلات الإسلامية كثيرة، ففي كل مجلة يوجد مقال أو مقالين أهم من غيرها، ففي الشهر يمكن أن نجمع أربعين مقالًا أو نحوها هي أهم مافي هذه المجلات كلها، وتجمع في مجلة يمكن أن تسمى المختار من المجلات الإسلامية .
ضرورة وجود مجلة تسمى المختار السياسي تضم مقالات منوعة سياسية مهمة: فهناك تحليلات سياسية، وأخبار مبثوثة في كافة المجلات، سواءً كانت إسلامية، أو غير إسلامية، وهي كثيرة قد يكون أهمها عشرين مجلة تقريبًا، فبعض المقالات من المهم أن يطلع عليها الداعية المسلم؛ لينبني له الفكر السياسي المطلوب، وقد يكون المقال لكاتب صهيوني يعبر فيه عن سياسة إسرائيل لكن من المهم أن تطلع عليه، فلا يعني أن تكون كلها مقالات إسلامية سياسية .
ولا شك أن مثل هذا العمل ينبغي له جهد جبار، وليس هو بالعمل الهين لكنه مصدر للثقافة السياسية المنهجية، مأمون ويمثل توحيد في الفهم والأفكار السياسية . ولايمكن لهذا الجهد الجبار أن ينمو إلا في بيئة تنظيمية عالية الارتباط .
ضرورة وجود المكتبة الوثائقية: فالوثائق جزء متمم للكتب والمعلومات، فمن الضروري أن تكون مكتبة وثائقية بحيث تحوي أهم الوثائق التي يمكن الرجوع إليها .
والوثائق: هي أشكال من نشرات الحكومات والأحزاب، وقد تكون بعض نشرات الدعوة الإسلامية في بعض الأمور التي لاتنشر على الملأ من المناهج التربوية الداخلية وأمثال ذلك . فهذه المكتبة صغيرة في حجمها، ولكنها عميمة الفائدة؛ إذ أنها تشكل موردًا تخطيطيًا ومصدرًا للباحثين في مجلة سياسية تصدرها الدعوة مثلًا، وتريد الرجوع إلى الوثائق التي هي من هذا الجنس .
الإكثار من النظر في فهارس دور النشر، وفهارس المكتبات العامة: فهذا يطلعك على وجود كتب لم تعلم بها، وكذلك قائمة المراجع التي تكون في آخر كل كتاب، فتعلم بوجود كتب لم تعلم بها أبدًا، ولا أنت بمستطيع أن تحوزها أبدًا، وخاصة المطبوعات قبل ثلاثين سنة فأكثر، فهذه فائدتها تكون فيما إذا وجدت فراغًا لتطالع في هذا الكتاب لتكمل معلوماتك، وإذا كان عندك بحث معين وتريد أن تراجع مصادر أوفر لبحثك فتراجع من هذه الفهارس .
ضرورة توجيه رسائل الماجستير والدكتوراه لخدمة أغراض منهج الفكر في الدعوة: فهناك طاقات كثيرة من الدعاة تدرس الدكتوراة والماجستير، فيمكننا ضرب عصفورين بحجر واحد- كما يقال- فيحوز هذا الأخ الشهادة العليا؛ ليكون أستاذًا في الجامعة، أو خبيرًا، وفي نفس الوقت يقدم بحثًا نافعًا لإخوانه ينتفعون منه .
ولا أعني فقط الدارسين في الشريعة الإسلامية، فالدارس مثلًا في السياسة بدل أن يتكلم عن مشكلة برلين، فليتكلم عن مشكلة كشمير مثلًا فهي قضية إسلامية، ويعرضها ليزيد ثقافتنا الإسلامية .
وكذلك بدل أن يأخذ شخصية سياسية مغمورة لانستفيد منها، فليأخذ شخصية إسلامية، وكذلك في الأدب، وكذلك في التاريخ .
من محاضرة:' كيف نبني ثقافتنا ' للشيخ / محمد أحمد الراشد