فهرس الكتاب

الصفحة 21157 من 27345

وكل هذه الأهمية للكتابة والكتاب، وكل ذلك القدر الذي كان للكتاب نابع من أن هذه المهنة تحتاج إلى إمكانيات مضاعفة، وذكاء فائق، لأن صاحب هذه المهنة يحتاج إلى التفكر بالمعاني، وإلى اكتمالها في قلبه، ومخيلته، ثم إلى بيانٍ ناصعٍ واضحٍ مرصوف، في حروف وكلمات وجمل، يخطها قلم ثابت الجنان، عالي البيان، ملتزم العقل والقلب والجوارح بقيم الرب الديان، الذي أراد لهذا الإنسان الهدى والصلاح في هذه الدنيا، والفوز والفلاح.. (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) . وانظر أخي القارئ إلى ما تركته كتابات الشيخ محمد الغزالي والشيخ الدكتور يوسف القرضاوي من تأثير وتعديل في سلوك وأفكار الناس، وليس هؤلاء الذين ذكرنا إلا القليل من الكتاب الذين امتد أثرهم وتأثيرهم فكان الناس تبعًا لما نشروا من أفكار بأقلامهم التي سطرت الفكر والأدب.

يتبع

(1) و (2) من كتاب محاضرات الأدباء ص .112

(3) المصدر السابق ص .49

كيف تصبح كاتبًا(2)

الموهبة

بقلم: محمد السيد

1 -نظرة في الواقع:

افتح ناظريك، وأبحر معي في أسواق المدن العربية، ولنتوقف عند المحلات التي تسمى مكتبات، وهناك أمعن النظر في صدورها المأزومة بشتى البضائع المصفوفة داخل كل غلافين، حاول آن تفتح الأغلفة ، لتكتشف البضاعة الملقاة أحرفًا وكلمات وجملًا داخل تلك المجلدات، وسوف تجد بعد كدّ الذهن والعين، أن الأمور في الغالب الأعمّ تربض خلف الوهم، ولا تتعدى الثرثرة الشاحبة الألوان، باهتة الطعم، هذا إن لم يكن الأمر أجلّ وأخطر، إذ تعودت العين على الوقوع في زاوية مرمى تشويه الحلم، ذلك الذي ذهب منه الشادون من مدعي أرباب القلم هذه الأيام إلى إلقائنا على بوابات الفجيعة من خلال رمينا بسهام حروفهم وكلماتهم النابية عن مرمى الإبصار الجمعي لهذه الأمة تاريخًا وحضارة وعقيدة.

وإنك إن حاولت فهم شيء مما يدور في ساحة الحروف العجمى لعاجلك ألم الشعور بأن ذلك الغثاء كله ناتج من عدم الاعتبار بالنطق الأعلى:"الرحمن علّم القرآن، خلق الإنسان، علّمه البيان"فارتاد كل من هبّ ودبّ ساحات الكتابة، مؤيدًا ومدعومًا بأسلحة بعض الناشرين من الذين أضاعوا الأمانة، وجروا خلف التجارة التي تلهبها وتسيل لعابها الأسماء المتداولة، بغض النظر عما تريقه أقلامهم فوق القراطيس من دماء الفكر والأدب البريئة.

2 -"خلق الإنسان علمه البيان"

وإذن فالكتابة فن يقوم أول ما يقوم بالموهبة، ويقتله ويأتي على الإبداع فيه الإدعاء، ويجب أن يعلم صاحب الموهبة أنها مخلوقة فيه، وأنها من صنع الله الذي أحسن كل شيء خلقه"بديع السماوات والأرض"فهو لا يدلّ ولا يضل ولا يتيه بتلك الموهبة، بل هو على العكس من ذلك، يحاول التواضع مع بذل الوسع لتوظيف المنحة الربانية، وتنميتها ورعايتها، لتكون في خدمة الاستخلاف الرباني للإنسان المتمثل في العبودية لله، واستعمار الأرض وتسهيل الحياة عليها وترقيتها، بحيث تستقيم على النهج القويم، الذي أرسل الله به جميع الأنبياء من لدن آدم عليه السلام وحتى رسولنا الكريم خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم.

والبيان من أعظم الهبات الربانية للإنسان، إذا راعى فيه حق الله، ووظف موهبته في هذا الاتجاه، أنتج الخير العميم لهذا الإنسان، لذا كان من الضروري والواجب على كل مؤمن يُحسّ أن لديه موهبة البيان، أن لا يتوانى عن السير في ركب صقلها وتنميتها ورقيها، ثم الخوض بها في سوق البيان، الذي ازدحمت فيه الأصوات الشاذة، والأقلام المشبوهة، والترجمات المغرضة، وكادت أن تطغى على البيان الأبيض الناصع، الذي ساهم في تأخر خطواته كثير من المسلمين القائمين على نشر الكلمة الطيبة وإذاعتها بين الناس، تأكل قلوبهم في ذلك منازعات التجارة والربح، ومناكفات أن يخرج أي عمل على الهوى الذي يريده هؤلاء. لا بل إن الحسد الحالق لكل خير قد يكون أحد آكلات القلوب والمواهب.. بينما نرى أن ما يجري على الضفة الأخرى من المشهد الثقافي يتم بصورة عكسية تمامًا، إذ تشجع أية موهبة، وتقدم وتشهر، ويعلى مقامها، لمجرد أنها تصب في اتجاه مضاد لمنهج البيان الرباني المنجي، كما أنه يفسح في المجال لمنظومات الرأي وكلمات البيان، الذي يريد تفجير اللغة وتشكيلها من جديد، بحيث يضيع كل البناء الثقافي المذخور في حروفها منذ خمسة عشر قرنًا وحتى اليوم، كما رأينا ارتفاع قامات ما كانت لتظهر حتى ترتفع لولا أنها وجدت نفسها محاطة بناشرين يذيعون كل كلمة تافهة تقولها، وكل صيحة شر تنطلق من بين شفاهها، ثم تزف كل تلك الخبالات بأنواع متنوعة من الزخرفة والدراسات، والقول وإعادة القول، والرد وإعادة الرد، حتى يصل الرد والتكرار إلى أبعد نقطة وآخر فرد في بوادي العرب والمدن..

3 -بماذا تتجلى الموهبة وتعرف؟؟:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت