فهرس الكتاب

الصفحة 21158 من 27345

وعودة إلى موضوع الموهبة لنقول: إن الكتابة عملية إبداعية، إذ أنها تقوم على تشكيل الصور، وتوصيل المفاهيم والأدب والعلوم، والفكر القويم إلى الناس، بواسطة اللغة وأبجديات اللغة.. فهي بهذا عملية تكوين وتشكيل منطلقة من قلب المنحة الربانية"الموهبة"المحاطة بهالة من التوفيق الرباني إن استخدمت في السبيل القويم، لذلك فإن العناصر التي تكوّن وتطلق الموهبة، أو بمعنى آخر التي يتعرف الشخص بها إلى وجود ها عنده وأنه قادر على عملية الكتابة، وإيصال الأفكار، والصور والمفاهيم إلى الناس بواسطة الحروف والكلمات والجمل. إن هذه العناصر تتمثل فيما يلي:

أ - الذكاء الجيد: إذ أن عملية التشكيل تحتاج إلى فكر تحليلي وتركيبي، ثم إلى قدرة على مزج المفارقات، ووصل الجملة بالأخرى، حتى يصل إلى تكوين فكرة عامة يراد إيصالها إلى الناس.. وهذا لا يتسنى إلا إذا توفر الذكاء الجيد، فإذا لمس الفرد في نفسه القدرة على طرح الأفكار وإمكانية انتقاء الصالح منها، والقدرة على التعبير عما جاء فيها شفهيًا ثم لاحظ قدرته على التأثير في الآخرين واستحسانهم لما يقول، فليعلم أن ذكاءه الكتابي خامة قابلة للانطلاق في سوق الإبداع الكتابي، فليتوكل على الله، وليبدأ السير في المهمة بالخطوة الأولى، طالبًا العون والتوفيق من الله"وما بكم من نعمة فمن الله".

ب - الخيال المتوازن: فعملية الكتابة (والأدبية منها بصورة خاصة) تحتاج إلى تكوين الأشياء والأفكار في مخيلته، قبل أن يسطرها بقلمه على القرطاس، ومن الطبيعي أن يلتزم هذا الخيال بالهدي الرباني، فلا يكون شططًا يركض خلف الأحلام المريضة، أو الأحلام الجامحة مستحيلة التحقق، فيكون الإخفاق في الوصول إليها سببًا في اليأس أو التشاؤم أو الاكتئاب، وكل ذلك معادٍ للفطرة الربانية، التي أباحت للإنسان أن يتخيل وينشئ الحلم المتوازن الذي يخدم خلافته عن الله في الأرض ولقد كانت أحلام كثير من أدباء الغرب الأوروبي في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، متجهة إلى دواخلهم، ومسافرة إلى بواطنهم التي انطوت على عجز بعيد الغور عن التواءم مع مجتمعاتهم التي هزتها النقلة الرأسمالية الإنتاجية، فراحوا يحلمون بمجتمعات خيالية أنتجتها دواخلهم غير السوية، السارحة في رؤى فوضوية من كل الأنواع، لذا فقد جاءت نصوصهم التي أنتجوها انطلاقًا من هذه الخيالات، مفرطة في التخبط، والجنون والخبال. (1) .

ولكن كيف يتسنى للناشئ أن يكتشف وجود مثل هذا الخيال ضمن ملكاته التي وهبه الله إياها؟..

وللإجابة على السؤال نقول: إن من السهل على الإنسان المثقف أن يطرح الأسئلة التالية على نفسه:

1 -هل يتقن الربط بين الفكرة والفكرة؟

2 -هل يكثر من السؤال عما حوله، وما يسمع من أقوال ، وما يرى من أعمال؟

3 -هل يحب الاختلاء بنفسه ولحظات التأمل؟

4 -هل يتقن التنبؤ بالنتائج النابعة عن تحليل محكم؟

5 -هل يستوعب آفاق الآخرين؟

6 -هل لديه القدرة على استعمال أساليب جديدة في التعبير؟

هذه بعض أسئلة مقترحة من الممكن أن يلقيها المرء على نفسه فإذا وجد أن أكثرية الإجابات إيجابية، فقد تحقق فيه عنصر الخيال المناسب، وهذا يؤهله لركوب الطريق من بدايته ، بعد طلب التوفيق من الله، ثم الجد والدأب والرعاية والممارسة ، فكل ذلك كفيل بوصوله إلى النتائج المرجوة، ليكون كاتبًا باتجاه رباني رشيد.

ج - الهمة العالية والثقة بالنفس: ليعلم المؤمن المتجه إلى امتلاك ناصية الكتابة أنه في ساحات مصارعة، السبق فيها لمن يمتلك الأدوات التي أهمها علو الهمة وسمو الهدف، والثقة العالية بالنفس بعد التوكل على الله، وطلب التوفيق منه"وما نيل المطالب بالتمني ، ولكن تؤخذ الدنيا غلابا".

"وإذا كانت النفوس كبارًا تعبت في مردها الأجسام".

فلتكن أخي الكاتب المؤمن من ذوي الهمم العالية الغالية، الواثقين بخطوهم، المصممين على الفوز في ساح الكلم الطيب الخير، ولتكن قدوتك في ذلك حبيبنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، إذ جاءت قريش بزعمائها، يعرضون عليه كل ما يريد على أن يترك الأمر الذي أرسله الله به، فما كان جوابه إلا أن قال لهم بأعلى همة وأعظم ثقة وأقدر تعبير:":والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه"أو كما قال صلى الله عليه وسلام

وأنت أخي الكريم إذا تحققت لك هذه الرباعية الموهبية من المنحة الربانية والذكاء العالي، والخيال المتوازن، والهمة العالية والثقة بالنفس، فلتمسك بأول الطريق، ولتمض به مسلحًا بأدواته التي سنتطرق إليها في الفصل القادم إن شاء الله.

يتبع

(1) انظر شكري عياد (المذاهب الأدبية والنقدية)

كيف تصبح كاتبًا(3)

تنمية الموهبة

أ- العقيدة والسلوك والأخلاق

بقلم: محمد السيد

1-المؤمن والكتابة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت