-من أعظم الدروس هو انتصار يوسف عليه السلام على نفسه، ويا أحبتي الكرام من هزمته نفسه لن يهزم عدوه وأقوى هزيمة تحل بالفرد والأمة أن يصاب الفرد من داخله أو أن تصاب الأمة بهزيمة من داخلها، يوسف عليه السلام انتصر على نفسه فتحقق له التمكين، كيف انتصر على نفسه ؟!
عندما انتصر على نفسه مع امرأة العزيز استعصم، ولم ينحنِ للشهوة مع توافر الدواعي وزوال الأسباب، إلا أنه رأى برهان ربه وهذا البرهان مع كل واحد منا، هذا الانتصار ليس بالأمر السهل، من السهل أن أنظِّر له بكلمات ولكن نسأل الله أن يحمينا وإياكم إذا واجه الرجل الفتنة والشهوة مع توافر الدواعي والأسباب وزوال الموانع، من يثبت كما ثبت يوسف عليه السلام ؟!
إنتصر على نفسه بثباته في بيت العزيز، انتصر على نفسه مع أخوته في عفة لسانه كما ذكرت لكم مرارًا حتى لم يجرح مسامعهم بكلمة واحدة.
هل انتصرت على نفسك بسيطرتك على لسانك ؟! أمسك عليك لسانك كما يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم .
انتصر على نفسه بصدقه المتناهي، اسمعوا إلى قوله تعالى (( قالوا ياأيها العزيز إن له أبًا شيخًا كبيرًا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين ) ) (( قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذًا لظالمون ) )ماهو الصدق هنا ؟!
ماقال: معاذ الله أن نأخذ إلاَّ من سرق، لا. لم يقل: من سرق لأنه يعرف أن أخاه لم يسرق، إنما قال: معاذ الله أن نأخذ إلاَّ من وجدنا متاعنا عنده فلم يتهمه بالسرقة - دقة تعبير متناهية - ويقول: إن جزاء السارق كان أصل القصَّة أنه يؤخذ لم يقل هذا سارق فإذًا أخذناه، لا. سبحان الله! فدقة التعبير والصدق انتصار على النفس .. صحيح هو وجد متاعه عنده لكن حقيقة لم يسرق ولم يتهمه بالسرقة أبدًا هو صادق وجد متاعه عنده، ماكان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله.
من انتصاره على نفسه عفوه عن إخوانه مع كل ماجرى قال: (( لاتثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم ) )بكلمة واحدة.
وأعجب من عفوه.. انتبهوا لها جيدًا مع أن العفو (( ومايُلقَّاها إلاَّ الذين صبروا ومايُلقَّاها إلاَّ ذو حظٍ عظيم ) )هذا قول الله جل وعلا العفو ليس بالأمر السهل ومع ذلك عفى وصفح لم يذكِّرهم بكلمة واحدة بعد أن عفى عنهم. فلما قال لأبيه (( ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدًا قال ياأبتي هذا تأويل رُؤياي من قبل قد جعلها ربي حقًا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين أخوتي ) )مع أن إخراجه من البئر أعظم من إخراجه من السجن، لكنه عفى عنهم فلا يريد أن يمر على البئر الذي وضعوه فيه لأنه عفى عنهم، ولم يقل: بعد أن نزغ الشيطان أخوتي، قال: من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين أخوتي.
كم عفونا عن الناس - هذا إن كنا عفونا - ؟
ثم نجلس طول عمرنا نتحدث عن هذا الشخص ونقول أخطأ علينا وفعل.
النبي صلى الله عليه وسلم يقول (( المتسابان ماقالا، فعلى الباديء مالم يعتدي المظلوم ) ) (يعني حتى لولم يعفو) يعني ممكن المظلوم يعتدي فيسبب كدرًا بما يتحدث به، ممكن يكون أحد أخوانك أخطأ عليك خطأ ولكثرة ماتذكر أنت هذا الخطأ عند من لايعنيهم الأمر تكون وقعت في أضعاف الخطأ، كيف إذا كنت سامحته وعفوت عنه؟
تسامحه وتعفو عنه وتبقى أحيانًا سنوات وأنت تتحدث عن هذه القضية، أما تعلم ماذا يحل بك ماجنيته؟ ……… يوسف عليه السلام لما قال: لاتثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم، التزم بهذه الكلمة فلم يمسَّهم ولم يوميء إليهم ولم يشر إليهم. هذا انتصار على النفس. هذا الانتصار أولى مقدِّمات انتصاره العظيم.
ثانيًا: من مقومات انتصار يوسف عليه السلام صبره العظيم بل صبره العجيب ولذلك قال في آخر المطاف لإخوانه (( إنه من يتق ويصبر فإن الله لايضيع أجر المحسنين ) )صبر يوسف عليه السلام عجيب، صبره عندما أخذه إخوانه وهو صغير لم ينطق ولم يذكر القرآن أنه تفوَّه بكلمة.
صبره في بيت العزيز، صبره على مراودة النساء (( رب السجن أحب إليَّ مما يدعونني إليه ) )، صبره في السجن صبرٌ أصبح مضرب المثل للأمم على مداد التاريخ، صبر يوسف عليه السلام، صبره عندما تولَّى الرئاسة والملك وكيف كان صبره في هذا الأمر، ولذلك دائمًا أوميء إلى موضوع الصبر (( إنه من يتق ويصبر فإن الله لايضيع أجر المحسنين ) ).
ثالثًا: وآمل أن نذعن لأهمية هذا الدرس وكنت أردت أن اقتصر عليه فقط ولكن أدمجته مع بقية الدروس..
من أقوى عوامل نجاح يوسف عليه السلام التخطيط وبعد النظر وعدم الإستغراق في اللحظة الحاضرة.
1-وهذا يتضح في مواضع من أبرزها ثلاثة مواضع وهو في السجن كان بعد نظره والتخطيط الذي سلكه عندما أتيحت له الفرصة بالخروج مع أن هذه حالة نفسية لايعرفها إلا من مارسها، رفض أن يخرج (( ارجع إلى ربك فاسأله مابال النسوة ) )عنده بعد نظر تخطيط بعيد جدًا.