مانديلا في جنوب أفريقيا: قوة إيمانه بعدالة قضيته، بتخليص بلاده من الإستعمار البريطاني، وثباته على ذلك أكثر من سبع وعشرين سنة، ماذا حدث له ؟! لاأعلم الآن زعيمًا معاصرًا من غير المسلمين له من الإحترام والتقدير في العالم أجمع مثل مانديلا، لأن قضيته كانت عادلةً مع أنه غير مؤمن ودعي إلى الإسلام نسأل الله له الهداية.
إخواننا لما ذهبوا إلى جنوب أفريقيا قبل أشهر لمؤتمر هناك دعوه، فقال: أنا لست على دين فإن اخترت دينًا فسأختار الإسلام، فثبات الرجل وصدق الرجل عجيبة جدًا وسبق أن ذكرت لكم شيئًا من ذلك ومع ذلك انتصر وهو ليس بمسلم فكيف إذا كان الرجل مسلمًا ؟
إذا ثبت واطرد على منهجه ولم يتقلب ولم يضطرب فإنه ينتصر بإذن الله، هكذا كان يوسف عليه السلام، أما إذا بدأ الإضطراب عند الإنسان والتأخر والتقدم في غير موضعه لايستطيع أن ينتصر، لأنه لم ينتصر على نفسه فكيف ينتصر على الآخرين؟!
هذه مسألة آمل إن شاء الله أن أبيِّنها بالتفصيل في وقت قادم سواء في هذه المقالة أو في غيرها في موضوع أهمية الاطراد في المنهج وخطورة الإضطراب والتغير والتبدل …
ومما وجدت من مقومات عزة يوسف عليه السلام وانتصاره عدم الاستعجال أو التنازل، لاحظوا عدم الاستعجال أو التنازل أو اليأس أو القنوط، الآفات التي تصيب الأمة وتصيب الناس وتصيب الدعاة إما استعجال، أو يأس وقنوط، أو تنازل في غير موضعه لأنه إذا كان في موضعه لايسمى تنازلًا … يوسف عليه السلام لم يستعجل كما ذكرت لكم في قصته في السجن، ولما تولَّى الملك لم يتنازل لحظة واحدة أبدًا أبدًا، ولم ييأس ولم يقنط، وهكذا كان أبوه عليهما السلام.
ضع هذه المعالم أمام عينيك: الإستعجال - التنازل - اليأس - القنوط - التشاؤم فهي مهلكة، ولذلك نبَّه إليها محمد صلى الله عليه وسلم في مواطن عدة وهو يقول لصحابته: (( والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لايخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم قوم تستعجلون ) )هذا يقال لصحابة محمد صلى الله عليه وسلم ،الاستعجال آفة أنا أخشى أن نفرط في الثروة الضخمة من هذا الإقبال على هذا الدين والاستعداد للتضحية والفداء والبذل، والله إني أخشى من الاستعجال الذي قام محمد صلى الله عليه وسلم يربِّي أمته على الحذرمنه خوفًا من أن يقعوا فيه، فلذلك أيها الأخوة يجب أن نضع هذه المعالم أمام أعيننا إذا توافرت هذه المقومات - التي توافرت ليوسف عليه السلام - وتمكن في الأرض، إذا توافرت هذه المقومات لأمة … تحقق الانتصار العظيم بإذن الله ووعد الله آت ونصره قادم والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لايفقهون، فالله الله بالتفاؤل وحسن الظن بالله، لاتسيئوا الظن بالله جلَّ وعلا، يقول ابن القيم رحمه الله:"مامن امرئ إلا وهو يسيء الظن بربه فبين مقل ومستكثر … وكل منكم يعرض نفسه بينه وبين ربه، وهذه من أعمال القلوب"هذا كلام شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله، فما يخلو الإنسان من سوء ظن بالله جلَّ وعلا وأسبابه كثيرة، سواء على المستوى الشخصي: بعض الناس يقول لماذا ربي لايرزقني، بعض الناس يقولون لماذا لاينصرنا الله جلَّ وعلا . ياأخي .. هل استحققنا النصر ؟! هل أخذنا بعوامل النصر ؟! هل زالت موانع النصر ؟! وعده لايتخلف سبحانه وتعالى أبدًا، لكن إذا توافرت الأسباب وقامت الدواعي وزالت الموانع عندها يتحقق وعد الله لامحالة (( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) ) (( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون ) )الآيات متواترة في القرآن … المصيبة فينا وفي أنفسنا وفي ضعفنا فالله الله أحسنوا الظن بالله وكونوا أكثر تفاؤلًا بتحقق وعد الله، ولكن علينا أن نأخذ بأسباب النصر وأن نصدق مع الله (( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) ) (( ولو صدقوا الله لكان خيرًا لهم ) ).
أسأل الله أن يبرم لهذه الأمة إبرام رشد يعز فيه أهل الطاعة ويُهدى فيه أهل المعصية، وأن يمكِّن للإسلام والمسلمين وأن يعلي راية الدين. والحمد الله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
* نشر هذا المقال في الإسلام اليوم بتاريخ 16/2/1424