(( وتولَّى عنهم وقال ياأسفا على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ) )يدرك يوسف أن هذا سيحدث لأبيه لكنها الحكمة وبعد النظر والتخطيط والالتزام بالشرع والخضوع لأمر الله حتى ولو كان على حساب النفس والهوى والعاطفة. وهذا الذي أوصي به الأخوان، يا أحبتي الكرام: الأمر ليس بالأمر السهل لاتِّقاد الأمة بالعواطف مع أهمية العواطف، أمة بدون عاطفة لاخير فيها، ونفس بلا عاطفة لاخير فيها، ولكن العاطفة يجب أن تحكم بالعقل، والعقل يُخضع للشرع، فتمام الأمور عقل وعاطفة يخضعان لشرع الله جلَّ وعلا وأمره ونهيه حتى لانتقدم تقدمًا في غير موضعه أو نؤخِّر شيئًا عن موضعه..
أيضًا … من العجب ومن دعائم نجاح يوسف عليه السلام إقدامه على المسئولية بشجاعة نادرة، وعدم السلبية لمَّا رأى أنَّ الفرصة قد سنحت أقدم على المسئولية بشجاعة نادرة، وبعضنا يرى أن هذا ليس من الورع، لا. الورع أن تقدم على المسئولية وتتقي الله في المسئولية التي بين يديك وليس الورع أن تتخلى عن المسئولية والأمة بأمس الحاجة إليك، نعم إذا كنت تعلم أن هناك من سيختار لهذه المسئولية كفؤًا لك أو أفضل منك فمن الورع أن تتحاشاها لكن إذا كنت تعلم ويغلب على ظنك أنك إذا تخليت عن المسئولية سيختار من هو أقل منك كفاءة أو يختار من يسيء للأمة فيجب شرعًا كما ذكر شيخ الإسلام أن تتولى وتقدم حتى ولو ارتكبت بعض المفاسد من أجل أن تدفع المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى هذه شجاعة وإقدام (( اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ) )هذا ليس طلبًا للإمارة كما يرى البعض، بل هذه شجاعة وقوة نادرة، أين الإمارة في بلد مقبلة على سبع شداد؟ أين الراحة؟
هو يستطيع أن يطلب من الملك أن يبني له قصرًا على الأنهار ويعطيه مايشاء ويأتي بأهله، يستطيع أن يفعل ذلك، ولكنه لم يختر هذا الطريق إنما اختار تحمل المسئولية كما اختارها، وكما قبلها بعبارة أدق عمر بن عبدالعزيز فسارت الأمة بالخير والعدل في خلال سنتين وأشهر، رضي الله عنه ورحمه في سنتين وأشهر ملأ الأرض عدلًا وفاضت الخيرات لما حكم بشريعة الله.
يأتيه أبناؤه ويطلبون منه مالًا يسيرًا ويرفض، ويقول: أنتم أحد رجلين إمَّا رجل صالح فسيغنيه الله، وإما رجل آخر فوالله لا أساعده على معصية الله، يطلب من زوجته ابنة عمه فاطمة أن تخلع ما في يديها وتدخله بيت مال المسلمين، ويخيِّرها إما بالبقاء معه أو أن تتخلى عن مافي يديها، لأنه من بيت مال المسلمين- مجرَّد ذهب في يديها - .
يقسم أحد المؤرِّخين يقول: والله لقد رأيت أبناء عمر بن عبدالعزيز وبضعهم يحمل في الجهاد على عشرات أو مئات من الخير والمال الذي عنده، ورأيت بعض أبناء الأمراء ممن سبقه أو بعده وهم يتكفَّفون الناس، سبحان الله!
يوسف عليه السلام أقدم على المسئولية بنزاهة وعفة عجيبة جدًا فحفظه الله جل وعلا ومكَّنه الله جل وعلا (( وكذلك مكَّنا ليوسف في الأرض ) ).
أيضًا مما يمكن به: حسن السياسة والعدل في الرعية . عدله وحسن سياسته. اقرؤا السورة تجدون العجب فيها، وبهذا تستمر الدول وتستمر الممالك بالعدل، كما قال شيخ الإسلام: ( إن الله يعز ويبقي الدولة العادلة ولو كانت كافرة وإن الله يذل ويهزم الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة) .
أيضًا … اتصافه بالإحسان بمعناه الشامل المتكامل وليس الإحسان بمعناه القاصر وهو مجرد إحسان إلى فلان أوفلان، حيث الإحسان الآن عندنا يفسر بجزء من معانيه، الإحسان أعظم من ذلك وأشمل .
من أقوى علامات تمكَّنه وأسباب تمكَّنه وحصول مقصوده: قوة إيمانه بالله وتوحيده وحسن توكله على الله وإعادة الفضل إلى صاحبه وهو الله سبحانه وتعالى (( ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لايشكرون ) )
توحيد يوسف، إيمان يوسف، إعادة الفضل لأهله وهو الله جل وعلا، حسن ظنه بربه من أسباب حصول ما حصل له من عز وتمكين وسيادة وقيادة فإذا انتشر في بلاد المسلمين التوحيد ونشرت كلمة التوحيد فلتبشر الأمة بخير عظيم آت لامحالة بإذن الله.
كذلك دعوته لتحكيم شريعة الله، ونفي ماسواها (( إن الحكم إلا لله أمر ألاَّ تبعدوا إلاَّ إيَّاه ) ).
من أقوى مارأيت من أسباب تمكُّن يوسف عليه السلام: اطراده في منهجه وثباته عليه في جميع المراحل ،في السراء والضراء، عند أبيه وهو صغير، وهو يباع مملوكًا، وفي بيت العزيز، وفي السجن، وعند الملك، وهو على الرئاسة في آخر المطاف، اطراده على خط مستقيم واضح جلي بيِّن بهذا ينتصر الداعية … قلت لكم تمعنت انتصار بعض المباديء الأرضية وهي مباديء أرضية ليست إسلامية وجدت أن من أسباب انتصارها إيمان أصحابها بها وثباتهم عليها فيحققون انتصارًا عجيبًا في الدنيا .
فكيف إذا كان الإنسان مؤمنًا ومطردًا ومؤمنًا بالله جل وعلا ؟