قَالَ بكار بن محمد: كان ابن عون إن وصل إنسانًا بشيء ؛ وصله سرًا , وإن صنع شيئًا صنعه سرًّا , يكره أن يطَّلع عليه أحد .
عامر بن عبد قيس:
العابد العالم , الخائف الوجل , أضَرَّ ببدنه ليتنعم به في الآخرة .
قَالَ عَامِرُ بن عبد قيس: لأجتهدن فإن نجوت فبرحمة الله , وإن دخلت النّار فلبعد جَهْدِي .
وكان يقول: ما أبكي على دنياكم رغبة فيها , ولكن أبكي على ظمأ الهواجر , وقيام ليل الشِّتاء , وقيل له: إن الجنة تدرك بدون ما تصنع ! وإن النار تتقى بدون ما تصنع ! فيقول: لا حتى لا ألوم نفسي , ومرض فبكى , فقيل له: ما يبكيك وقد كنت وقد كنت .. فيقول: مالي لا أبكي ! ومن أحق بالبكاء مني ! والله ما أبكي حرصًا على الدنيا , ولا جزعًا من الموت , ولكن لبعد سفري , وقلة زادي , وإني أمسيت في صعودٍ وهبوطٍ , جنةٍ أو نار , فلا أدري إلى أيهما أصير .
وعن الحسن أن عامرًا كان يقول: من أُقرئ ؟ فيأتيه ناس فيقرئهم القرآن , ثم يقوم فيصلِّي إلى الظُّهر , ثم يُصَلِّي إلى العصر , ثم يُقرئ النَّاس إلى المغرب , ثم يصلي ما بين العشاءين , ثم ينصرف إلى منزله , فيأكل رغيفًا وينام نومةً خفيفة , ثم يقوم لصلاته , ثم يتسحر رغيفًا ويخرج .
وكان عامر بن عبد قيس لا يزال يُصَلِّي من طلوع الشمس إلى العصر , فينصرف وقد انفتحت ساقاه , فيقول: يا أمارة بالسُّوء إنما خلقت للعبادة , وهبط واديًا به عابد حبشي فانفرد يصلي في ناحية ؛ والحبشي في ناحية أربعين يومًا لا يجتمعان إلا في فريضة.
ومَرَّ عامر بن عبد قيس في الرَّحبة , وإذا برجل يُظْلَم , فألقى رداءه , وقال: لا أرى ذمة الله تخفر وأنا حي ؛ فاستنقذه , ويُرْوى أن سبب إبعاده إلى الشّام كونه أنكر وخلَّص هذا الذِّمي , ولما سُير عامر بن عبد الله ؛ شيعه إخوانه , وكان بظهر المربد , فقال: إني داعٍ فأمنوا: اللهم من وشي بي , وكَذَبَ عَلَي وأخرجني من مصري , وفرق بيني وبين إخواني , فأكثر ماله , وأَصِحَّ جسمه , وأطل عمره .
قَالَ قتادة: لما احتضر عامر بكى , فقيل: ما يُبكيك , قَالَ: ما أَبْكِي جزعًا من الموت , ولا حرصًا على الدنيا , ولكن أبكي على ظمأ الهواجر وقيام الليل .
منصور بن المعتمر:
حليف الصيام والقيام , من أحسن النَّاس صلاة , و أسردهم صياما .
عن الثوري قَالَ: لو رأيت منصورًا يصلي لقلت يموت الساعة .
وكان منصور من العُبّاد صام ستين سنة وقامها , وكان جيرانه يحسبونه بالليل في الصيف خشبةً قائمة , فلما مات كانوا يقولون الخشبة ما فعلت !
قالت ابنة لجار منصور بن المعتمر لأبيها: يا أبت ! أين الخشبة التي كانت في سطح منصور قائمة ؟! قَالَ: يا بنية ! ذاك منصور كان يقوم بالليل .
وكان منصور يصلي في سطحه فلمّا مات ، قَالَ غلامٌ لأمه: يا أمه الجذع الذي كان في سطح آل فلان ليس أراه ، قالت: يا بني ليس ذاك جذعًا ؛ ذاك منصور قد مات .
وصام منصور وقام , وكان يأكل الطَّعام ؛ ويُرى الطَّعام في مجراه .
وعن زائدة أن منصور بن المعتمر: صام ستين سنة , يقوم ليلها , ويصوم نهارها , وكان يبكي ، فتقول له أمه: يا بني قتلت قتيلا ! فيقول: أنا أعلم بما صنعت بنفسي , فإذا كان الصُّبح كحل عينيه , ودهن رأسه , وفرق شفتيه , وخرج إلى النَّاس .
وعن سفيان وذكر منصورًا بن المعتمر , فقال: قد كان عمش من البكاء .
عن أبي بكر بن عياش قَالَ: ربما كنت مع منصور في منزله جالسًا فتصيح به أمه وكانت فظة غليظة ، فتقول: يا منصور ! يريدك ابن هبيرة على القضاء فتأبي عليه ! وهو واضع لحيته على صدره ؛ ما يرفع طرفه إليها , وكان يقول للأم ثلاثة أرباع البر .
وكانت أم منصور تقول له: يا بني إن لعينك عليك حقًا , ولجسمك عليك حقًا ، فكان يقول لها منصور: دعي عنك منصورًا , فإن بين النفختين نومًا طويلا .
سفيان الثوري:
لقد ضرب سفيان المثل في العبادة , حتى ترأس على أهل زمانه - رحمه الله . فلقد كان عابدًا متنسكًا ، قائمًا بأمر الله ، لا يعيقه عائق , ولا يخشى في الله لومة لائم .
قَالَ سُفْيَان بن عيينة: ما رأيت رجلًا أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري .
وعن أبي عاصم النبيل قَالَ: سمعت سفيان يقول: كان الرَّجل إذا أراد أن يطلب العلم ؛ تعبد قبل ذلك عشرين سنة .
قَالَ مؤمل بن إسماعيل: قَدِمَ سفيان مكة فكان يُصلِّي الغداة ويجلس يذكر الله حتى ترتفع الشمس , ثم يطوف سبعة أسابع - أشواط - يُصلي بعد سبوع ركعتين يطولهما , ثم يصلي إلى نصف النَّهار , ثم ينصرف إلى البيت , فيأخذ المصحف فيقرأ , فربما نام كذلك , ثم يخرج لنداء الظهر , ثم يتطوع إلى العصر , فإذا صلى العصر أتاه أصحاب الحديث فاشتغل معهم إلى المغرب , فيصلي ثم ينتقل إلى العشاء ؛ فإذا صلَّى فربما يقرأ ثم ينام .