فهرس الكتاب

الصفحة 21663 من 27345

وعن يوسف بن أسباط , قَالَ: قَالَ لي سُفيان بعد العشاء: ناولني المطهرة أتوضأ , فناولته فأخذها بيمينه , ووضع يساره على خدِّه , فبقي مفكرًا ونمت , ثم قمت وقت الفجر , فإذا المطهرة في يده كما هي , فقلت: هذا الفجر قد طلع , فقال: لم أزل منذ ناولتني المطهرة أتفكر في الآخرة حتى السّاعة .

وقال عبدالرزاق: دعا الثوري بطعامٍ ولحم , فأكله ثم دعا بتمر وزبد فأكله , ثم قام يصلي , وقال: أحسن إلى الزِّنجي وَكُدَّه .

وقال عبد الرَّزاق أيضًا: لما قدم سفيان علينا , طبخت له قدر سَكْبَاج فأكل , ثم أتيته بزبيب الطائف فأكل , ثم قَالَ: يا عبد الرَّزاق أَعْلِف الحمار وَكُدَّه , ثم قام يصلي .

وكان قد تغدَّى , وأتى برطب فأكل , ثم قام إلى الصَّلاة فصلَّى ما بين الظهر والعصر , ثم قَالَ: يقال: إذا زِدت في قَضِيم الحمار , فزِد في عَمَلِه .

وعن أبي خالد الأحمر قَالَ: أكل سفيان ليلةً فشبع فقال: إن الحمار إذا زيد في عَلَفِه زيد في عمله , فقام حتى أصبح .

عبد الله بن المبارك:

الإمام السَّخي الجواد , أليف القرآن والحج والجهاد .

قَالَ إسماعيل بن عياش: ما على وجه الأرض مثل عبد الله بن المبارك , ولا اعلم أن الله خلق خَصْلَةً من خصال الخير إلا وقد جعلها في عبد الله بن المبارك , ولقد حدثني أصحابي أنهم صحبوه من مصر إلى مكة فكان يُطعمهم الخبيص , وهو الدهر صائم .

وكان عابدًا زاهدًا ورعًا , يُخْفِي ذلك ما استطاع .

قَالَ محمد بن الوزير -وصي ابن المبارك -: كنت مع عبد الله في المحمل فانتهينا إلى موضعٍ بالليل وكان ثم خوف ، قَالَ: فنزل ابن المبارك , وركب دابته حتى جاوزنا الموضع فانتهينا إلى نهر , فنزل عن دابته وأخذت أنا مقودته واضطجعت , فجعل يتوضأ ويصلي , حتى طلع الفجر ؛ وأنا أنظر إليه , فلما طلع الفجر ناداني ، قَالَ: قُمْ فتوضأ ، قَالَ: قلت: أنا على وضوء , فركبه الحزن حيث علمت أنا بقيامه , فلم يُكلمني حتى انتصف النهار , وبلغت المنزل معه .

وقال الحسن بن عرفة: قَالَ لِي ابن المبارك: استعرت قلمًا بأرض الشّام فذهبت على أن أرده إلى صاحبه , فلمّا قدمت مرو نظرت فإذا هو معي , فرجعت إلى الشّام حتى رددته على صاحبه .

لقد ملك ابن المبارك القلوب بدينه وسخائه حتى فاقت شهرته الرَّشيد .

قدم أمير المؤمنين الرَّشيد الرقة , فانجفل النَّاس خلف ابن المبارك , وتقطعت النِّعال , وارتفعت الغبرة , فأشرفت أم ولدٍ لأمير المؤمنين من برج من قصر الخشب ، فقالت: من هذا ؟ قالوا: عالم من أهل خراسان قَدِم ، قالت: هذا والله الملك ؛ لا ملك هارون الذي لا يجمع النَّاس إلا بشرطٍ وأعوان .

حسان بن أبي سنان:

حافظ الطرف واللسان , ثابت القلب و الجنان , من رآه خاله أبدًا مريضًا , خفي العبادة دائم الطّاعة .

قالت امرأة حسّان بن أبي سنان: كان يجيئني فيدخل معي في فراشي ثم يخادعني كما تخادع المرأة صبيها , فإذا عَلِم أني قد نمت سَلَّ نفسه فخرج , ثم يقوم فيصلي ، قالت: فقلت له: يا أبا عبد الله ! كم تُعذب نفسك ! ارفق بنفسك ، قَالَ: اسكتي ! ويحك , يُوشِكُ أن أرقد رقدة لا أقوم منها زمانًا .

وخرج حسّان يوم العيد , فلمّا رجع قالت له امرأته: كم من امرأة حسنة نظرت إليها اليوم ورأيتها , فلمّا أكثرت , قَالَ: ويحك ! ما نظرت إلا في إبهامي منذ خرجت من عندك حتى رجعت إليك .

قيل له: في مرضه الذي مات فيه كيف تجدك ؟! قَالَ: بخيرٍ إن نجوت من النار ، فقيل: له فما تشتهي ؟ قَالَ: ليلة بعيدة ما بين الطرفين ؛ أُحيى ما بين طرفيها .

الحسن بن صالح حي:

الفقيه العابد , والعالم الزاهد , محيي الليل بالقرآن طارت بسيرته الرُّكبان .

فعن أبي سليمان الدّاراني قَالَ: ما رأيت أحدًا الخوف والخشوع أظهر على وجهه من الحسن بن حي , قام ليلة حتى أصبح ب {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} [سورة النبأ: 1 ] يُردد آية فغشي عليه ؛ ثم عاد إليها فغشي عليه , فلم يختمها حتى طلع الفجر .

وكان لهم - يعني لآل الحسن بن صالح بن حي -خادم يخدمهم , فاحتاجوا إلى بيعها فباعوها , فلما كان في أول الليل ذهبت وألحت على مولاها تقيمه , وتقول: ذهب الليل ! مرة بعد مرة , حتى أضجرته فصاح بها , قالت: فلمّا أصبحت ذهبت إلى عند الحسن , فقالت: يا سبحان الله ! ما كان يجب عليكم فيما خدمتكم أن تبيعوني من مسلم ! فقال الحسن: سبحان الله ! وما له ؟ قَالَت: انتظرت ليقوم ليتهجد فلم يفعل , فألححت عليه فزبرني وشتمني , قَالَ: فَصَاحَ يا علي ! وقال: ما تعجب من هذه ! اذهب فتسلف ثمنها من بعض إخواننا وأعتقها .

قَالَ وكيع بن الجراح: كان علي والحسن ابنا صالح بن حي وأمهم قد جزَّؤوا الليل ثلاثة أجزاء , فكان عليُّ يقوم الثلث , ثم ينام , ويقوم الحسن الثلث , ثم ينام , وتقوم أمهما الثلث , فماتت أمهما , فجزءا الليل بينهما , فكانا يقومان به حتى الصّباح , ثم مات علي , فقام الحسن به كله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت