فهرس الكتاب

الصفحة 21746 من 27345

ومنها (التلقي عن الأعداء والمغرضين ) قال تعالى: (ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ(14) الدخان

فالرسول صلى الله عليه وسلم في نظر قومه متهم مجروح ، يعمل على نشر الفساد في الأرض ، ويرجعون ذلك إلى أسباب كثيرة منها ما ذكر ( الجنون والتلقي عن الأعداء ، والكهانة ، والسحر ) وغيرها من التهم الباطلة التي يعرفون هم بطلانها كما قال تعالى مبينًا حقيقتهم: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ(33) الأنعام

إذن فليس الأمر راجعًا بالنسبة للكافرين إلى إحقاق حق وإبطال باطل ، بل إلى إتباع هوى ، فما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم مخالف لأهوائهم غير محقق لمصالحهم لذا خرجوا على الرسول صلى الله عليه وسلم بكل الأباطيل التي يعرفونها دفاعًا عن أهوائهم ومصالحهم ، فلو كانوا صادقين بما يفعلونه ضد الرسول صلى الله عليه وسلم لكفاهم أن يأتوا بأدلة على زعمهم كما قال تعالى: ( فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(157) الصافات

فعدول الكافرين عن الإتيان بأدلة واضحة ونهج كل طريق مستطاع كإنفاق أموالهم ، وتعريض أنفسهم للهلاك في سبيل صد الرسول صلى الله عليه وسلم عن دعوته ، لدليل واضح على عجزهم عن الإتيان ببينة تدل على صدقهم وصحة مواقفهم .

وهذا ما يقال للكافرين اليوم: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ، ولكن حديثنا ليس متوجهًا إلى الكافرين الذين يعملون على تشويه صورة الإسلام ، فهذا ديدنهم وهذا حالهم لا يخفى على أي مسلم ، ولكن حديثنا ومع الأسف متوجه إلى أولئك الذين يلبسون لباس الحق ، ويدعون أنهم أهل حق ودعوة صدق ، ويطلقون لألسنتهم العنان في تشويه صورة المخالفين لهم ، واتهامهم بكل تهمة دون دليل أو برهان... اللهم إلا حدثنا ثقة ؟ ...

فنقول لهؤلاء جميعًا: إن سياسة توزيع الاتهامات على المخالفين لكم من غير برهان ، لهي سياسة فرعونية واجهها جميع الأنبياء والدعاة إلى الله سبحانه ، فمجرد الاتهام لا يعتبر شيئًا ، بل هو صفة ضعف وعجز ، فلو كان المتهم صاحب دليل لأتى بدليله وأراح نفسه من عناء التناقضات والتحذير والتشويه ، بل كان يكفيه أن يظهر البينة وعندها سيرى الناس بينته ويأخذون برأيه دون أن يتكلم بكلمة واحدة ، وهذا واضح للغاية ، أما أن يتعب نفسه من أجل تحذير الناس من زيد وعمرو لمجرد مخالفة زيد وعمرو له فهذا دليل إتباعه لهواه ونصرته لمذهبه أو حزبه دون تبصر أو هدى .

فمن السهل أن أقول هذا رجل مدعوم ، أو هذا عميل للجهة الفلانية ، أو هذا جاهل لا يفقه شيئًا ، أو ... أو ، ولكن الصعب أن آتي ببينة تدل على صدق قولي وعدم تعصبي لحزب ، أو إتباعي لهوى ، ومن ناحية ثانية ، فإن العدول عن الرد العلمي المبني على دليل واضح إلى الاتهام والتشكيك دليل على العجز والتجرد من الدليل والبينة ، وهذا عين ما وقع فيه الكافرون أعداء الرسل والدعاة وقد قدمنا أمثلة على ذلك .

بل أقول لهؤلاء المتهمين للناس من غير بينة: أنتم أحق الناس بما ترمون الناس به وأهل له ، وليس هذا قولا مفترى بل هو حق ونور وعندنا عليه برهان من الله سبحانه ، والأدلة على ذلك من وجوه:

1: عموم الأدلة ، فالكافرون كانوا يعملون على هدم المصالح العامة المخالفة لأهوائهم تحت ذريعة الإصلاح والإحسان ، وكان واضحًا وضوح الشمس أن ما يرمي به الكافرون المؤمنين ، هو عين ما يقعون فيه ، وبلا شك فإن الذين يرمون الناس من غير بينة إنما حملهم على ذلك ما حمل الكافرين ، فالعلة واحدة ، والصورة هي الصورة .

2: إن المؤمن شديد التوقي والحرص على عدم مخالفة الحق ، فهو منضبط بالضوابط الشرعية ، وما يحمله على ذلك خشية الله سبحانه ، وقد عظم الله سبحانه مسألة التقول على عباد الله من غير بينة أو دليل ، قال سبحانه: ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا(58) الأحزاب

وفي الحديث الصحيح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ اَسْكَنَهُ اللَّهُ ردغة الخبال حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ ) . رواه الإمام أحمد في مسنده، ومن يسمع هذه النصوص ويوقن بها ثم يتجرأ بعد ذلك على رمي الناس من غير بينة لدليل على عدم صدقه وإيمانه ، وعليه يكون أهلًا لما يرمي به الغير .

3: إن رمي المؤمنين بغير بينة لمجرد مخالفة فكر أو نهج ما ، إتباع للظن المتمخض عن إتباع الهوى ، وقد وصف الله سبحانه أتباع الظن بأنهم اتباع كذب والهوى ، قال تعالى: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ(116) الأنعام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت