فهرس الكتاب

الصفحة 21747 من 27345

وقال سبحانه: ( قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ (148 الأنعام

فاتباع الظن تخرص وكذب ، وإلا فمن يتهم الآخرين لا يخرج عن حالتين ، الأولى: أن يكون صاحب بينة ودليل . الثانية: صاحب ظن وهوى ، فإن فقد الدليل الصريح الصحيح ، فهو صاحب هوى ، وقد دلت النصوص بشكل واضح وقاطع على كذب أصحاب الظن اتباع الهوى .

4: وكذلك فإن اتهام المؤمنين من غير بينة ،مخالفة صريحة للرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد جاء في الحديث الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (البينةُ على المدّعي، واليمين على من أنكر ) . فأي إدعاء يقع على أي إنسان لا بد وأن تقوم عليه بينة ، فإن الإسلام شدد في حقوق المسلمين وجعل ذلك من الضرورات فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبة الوداع في اليوم المشهود: (أيها الناس اسمعوا قولي ، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا ، أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا ، وكحرمة شهركم هذا ، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ) . فأعراض المسلمين مصونة لا يجوز لأي امرئ أن ينتهكها ، أو يشهر بها ، فكيف إذا كان انتهاك عرض المسلم والتشهير به عن غير بينة ؟ فمن خالف ذلك الأمر يكون مخالفًا للرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن الطبيعي أنه لا يخالف الرسول صلى الله عليه وسلم في مثل هذه المسألة العظيمة التي تقوم عليها مصالح العباد وحفظ أعراضهم إلا متهم مجروح .

5: وكذلك فإن اتهام المسلمين من غير بينة ، وسبهم وتجهيلهم وتحقيرهم والإعراض عن مقارعة الحجة بالحجة ، لهو دليل العجز والضعف وقلة العلم ، وإلا ما الفائدة وراء إطلاق التهم المتعددة على العباد ـ كجاهل ، عميل ، حاقد ـ وغيرها من غير الإتيان بدليل ؟ بل لماذا يلجأ المرء إلى مثل هذه التهم وعنده البينة ؟ وقد وضحنا فيما مضى من القول: إن اتهام الناس وتوزيع الألقاب عليهم من غير بينة ، هو سياسة ماكرة يستعملها الكافرون للصد عن سبيل الله سبحانه لعدم استطاعتهم الإتيان ببينة تدل على صدق مزاعمهم ، وهذا هو حال المسلمين الذين يصدرون الاتهامات على عباد الله من غير بينة اللهم إلا أنهم يخالفونهم الرأي ، أو يردون على بعض شبهاتهم . وهذه القضية مبنية على أكذوبة أننا أصحاب دعوة حق ، ومن يخالفنا يكون مخالفًا للحق ، وكل مخالف للحق متهم مجروح ، نعم هذا هو دليلهم ، وهذه هي مرجعيتهم ، فلو أنهم أقاموا ولاءهم وبراءهم على قاعدة قولنا صواب يحتمل الخطأ ، وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب ، لعلموا يقينًا أنهم لا يمثلون الحق ، ولا ينحصر الحق في دعوتهم ، بل قد يكون الحق مع غيرهم ، وعليه لا ينظرون إلى مخالفيهم على أنهم حجر عثرة أمام العمل الإسلامي ، وأنهم يهدمون ما يبنون ، وأن من رد عليهم يعتبر مخالفًا للحق حاقدًا على أتباعه ، ولكنها للأسف التربية الحزبية السخيفة التي تربي أبناءها على تقديس الأشخاص واستلهام الحق من أفواههم وأعمالهم ، وأن كل من يخالفهم فهو مخالف للحق معاد له ، لا بد من استباحة عرضه دون أدنى ورع .

ويا ليت المسألة وصلت إلى هذا الحد ، بل تعدته إلى ما هو أعظم منه ، تعدت إلى الحكم على بواطن العباد والشق عن قلوبهم ، فإنك ترى الرجل يعتاد المساجد ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ولا يقع في فاحشة ، ولا ... ولا ... إلى غيره ، ومع ذلك يتهم بنفسه ، كأن يقال: هذا منافق ، أو هذا حاقد ، فسبحان الله إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكشف عن المنافقين الخلص الذين علم نفاقهم بالوحي رغم الأخطار التي تصيب الأمة منهم ،ولم يأمر المسلمين باتهامهم ، فكيف بمن حُكم بنفاقه لمجرد أنه مخالف للحزب الفلاني أو منتقد له ؟؟؟؟

فسبحان الله ، كيف يعتبر أولئك أنفسهم أنهم أصحاب دعوة حق ، وموقف صدق ، رغم ما فيهم من المخالفات الواضحات للآيات المحكمات ، وما عليه أهل السنة والجماعة ؟

أخي المسلم: إذا كان اتهام أي مسلم كبيرة من الكبائر ، فكيف بأن يكون المسلم المتهم عالمًا أو داعيًا قد وقف نفسه لنصرة هذا الدين ؟ كيف بأن يكون المتهم مربيًا لأجيال ، أو هدّامًا لأفكار الكفر ، مبينًا حقيقة الكافرين ؟؟ وذنبه أنه غير موافق للحزب ، أو منتقد له مبينًا أخطاءه ، ولو يعلم هؤلاء عظمة ما يقترفونه من آثام لأقلعوا عن هذا الذنب العظيم الذي تبرأ صلى الله عليه وسلم من أصحابه كما جاء في الحديث الصحيح: (ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ومن لم يعرف لعالمنا حقه ) . رواه الترمذي عن أنس رضي الله تعالى عنه .

فانظر أخي الحبيب كيف يتبرأ الرسول صلى الله عليه سلم من الذين لا يعرفون للعلماء حقوقهم ، فكيف بمن يتهجم عليهم أو يتهمهم ؟ إنها والله مسألة عظيمة لا يقع فيها إلا أصحاب الهوى ضعاف الإيمان أتباع الرجال نسأل الله العافية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت