قال: شكرًا لصراحتك أولًا .. وثق بأنني ما أردت أن أقول إن ذنب الرجل مغفور.. ولكنني إذا شددت على عفة الأم ، فلأن أثر الأم يا صاحبي في بنتها يفوق أثر الأب أضعافًا مضاعفة .. الأم هي المثل الأعلى العملي في السلوك بالنسبة إلى البنت . والبنت تعايش هذا المثل أربعًا وعشرين ساعة ، في الأربع والعشرين ساعة !! وبذلك فهي تطلع على جميع الخفايا وتتلقن وتحفظ جميع الدروس نظريًا وعمليًا . بينما ليس للأب في بنته مثل هذا الأثر الواضح الشديد .
قلت: هذا صحيح ، إنما قل لي لماذا لم تشر إلى (خباثة المنشأ) في الرجل وكيف أنها قد تكون من أسباب اقترافه الخيانة دونما مسوغ آخر سوى الخيانة ؟!
قال: الحق معك ، وافترضني سهوت ، وهأنذا أستدرك فأقول: إن خباثة منشأ الزوج قد لا تنعكس خيانة زوجية وحسب ، بل قد تأخذ أحيانًا شكل (القوادة) والعياذ بالله !! ولا تستغرب من هذا الاحتمال أبدًا ، (فهذا الجرو من ذلك الكلب) وفيما مضى قالوا:
هذي العصا من هذي العصية = لا تلد الحية إلا الحية
فعندما يكون الأب زناء فاقد المروءة والشرف ، لا يستغرب أن يشب أبناؤه على شاكلته وأسوأ !!
قلت: لا فض فوك .. ولكن أما ترى معي أن أحكامك تلك قاسية وشاملة ، وقد أغفلت ما قد يكون لها من استثناءات ؟!
قال: وكيف ؟
قلت: أليس الله قادرًا على أن (يخرج الحي من الميت) ؟!
قال: بلى .
قلت: فلماذا تفعل بهذا (الحي) في مروءته وضميره ، (الحي) في أخلاقه وسلوكه ، الذي أخرجه الله من صلب أبوين ميتين نخوة ومروءة ، ولاسيما إذا كان هذا الحي فتاة ؟!
قال: سؤال وجيه حقًا .. ولفتة مهمة ودقيقة فعلًا .. ثم أضاف: لا مانع في هذه الحالة من أن تتزوج هذه الفتاة ، أو تنصح بالزواج منها للباحثين عن الزواج .
قلت: وإذا حصل شيء ما في المستقبل ؟
قال: تذكر عبارتي السابقة قبل قليل (إنها مجازفة خطرة جدًا) ، وبالتالي فإن الذي يجازف عليه يتحمل مسؤولية مجازفته !
قلت: ولكن لماذا تسمي الإقدام على مثل هذا الزواج (مجازفة) ولا تسميه (تضحية) لإنقاذ مخلوق من براثن الرذيلة المحتمة فيما لو لم تمتد لها يد الإنقاذ ؟!
قال: سم عملك بأي اسم تشاء . فليكن (تضحية) أو (إنقاذ) أو (إنسانية) أو ما شئت من تسميات . المهم هو أنه إذا ما اقتضتك التضحية ثمنًا ما فعليك أن تتحمله عن طيب خاطر لأن العرق يا صاحبي دساس .
قلت: ولماذا أراك تقدم (الحذر) على (الثقة) في هذا الموضع بالذات ؟
قال: أعود فأقول لك ثانية (لأن العرق دساس) .. ومع هذا فأنا لم أوصك إلا بالحذر، فهل في هذه الوصية موضع لاستغراب ؟
قلت: لا .. ولكن بعد الذي مضى كله ، هل من سبب في خيانة الزوجة ، يكون الزوج وحده هو المسؤول عنه ؟
قال: نعم .
قلت: وما هو ؟
قال: (الحرمان) .
قلت: وماذا تعني بالحرمان ؟
قال: الحرمان على أنواع ، ولسوف أجتزئ لك بنوعين مهمين .
قلت: وما هما ؟
قال: الحرمان الأول (مادي) . الزوج يكون ميسورًا ويكون في بحبوحة من الرزق . ومع ذلك فهو يقتر على زوجته في الإنفاق ، ويضيق عليها في العيش لشح متأصل فيه لبخل متمكن في نفسه !! على حين ترى هذه الزوجة جاراتها ومعارفها يلبسن خيرًا مما تلبس ويأكلن خيرًا مما تأكل ، ويعشن في سعادة ونعيم ، ترنو هي إليه ولا تطاله ! تجد نفسها مستحقة له ولكن يبخل عليها به !
فماذا تكون النتيجة ؟ الكره المحتم للزوج ومن ثم التطلع إلى من يعوضها عن شحة وإمساكه ولؤمه كرمًا وإغداقًا وذهبًا .
قلت: وماذا عن الزوج عندما يكون فقيرًا ؟ وبعبارة أخرى ، ما دور الحرمان المادي عندما يكون سببه الفقر؟ ثم هل يكون الفقر ـ في هذه الحالة ـ مسوغًا كافيًا لانحراف الزوجات وخيانتهن ؟!
قال: أراك ستخرجنا عن سياق حديثنا الأصلي بمثل هذه التساؤلات . أما تلاحظ أننا نتحدث عن الحالة التي يكون فيها الزوج وحده هو المسؤول عن الانحراف ؟
قلت: ألاحظ ذلك بدقة وأعيه . ولكن أما تعلم أن تداعي الأفكار لابد منه وأن الشيء بالشيء يذكر ؟
قال: بلى .. وهذا جواب سؤالك:
ما من شيء يا صاحبي ، في أن الفقر هو علة العلل في أي مجتمع من مجتمعات الأرض .. وفي أن الفقر كفر أو كاد أن يكون كفرًا .. وفي أن الفقر هو أبو الخبائث ، وهو المستنقع الذي تفرخ فيه أبشع أنواع المفاسد الاجتماعية ، ابتداءً من السرقة إلى الزنى وحتى الجريمة بأوسع معانيها .
إلا أن الزوج لا يكون مسؤولًا عن النتائج ـ في هذه الحالة ـ بأي شكل وعلى أي مقياس . المسؤول في هذه الحالة هو المجتمع بأسره ولاسيما الدولة الحاكمة فيه .
والزنى عندئذ قد يكون شكل الارتزاق والتكسب ، ولا يكون لمجرد التعويض عن شح في الزوج مطاع أو بخل فيه وتكالب على المادة . وأنا لا أتصور مجتمعًا هو في سلم الانحطاط أدنى دركه من مجتمع يرغم نساءه وفتياته على البغاء من أجل تحصيل لقمة عيشهن ورقعة كسائهن !!