قلت: هل لي أن أفهم من كلامك إذًا ، أنه لا ضير على الزوجة أو على الفتاة في حال (الفقر) في أن ترتكب الفاحشة من أجل الارتزاق ؟!
قال: ويلك ! وكيف تفهم هذا مني ؟! يا هذا إن مبدأ الآباء المتوارث منذ القديم هو القائل: (الحرة تموت ولا تأكل بثديها) . وهذا قول حق ، فالحرة تموت جوعًا ولا تخون أو تزني من أجل اللقمة . ولكن لا تنس يا صاحبي أن قولهم ذاك هو نوع من المثل العليا التي تعبر عن مدى عفتهم وتمسكهم بالشرف والكرامة . والصراع قديم كما تعلم بين عالم المثل وعالم الواقع ، وعلى قدر الظروف المتاحة لكل منهما فإنه يغلب ويسود .. وليس كالفقر عاملًا مساعدًا عنصر الرذيلة على غلبة عنصر الفضيلة .. وعلى أن تسود الفاحشة على حساب الفعة والشرف .
ثم إذا كانت المبادئ الكريمة والمثل الرفيعة متأصلة من نفوس الحرائر من النساء بحيث تمنعهن من التردي في حمأة البغاء ولو تعرضن إلى الهلاك .. فما الذي يمنع غير الحرائر من التردي فيه ؟! والجوع كافر والحاجة مذلة ملجئة !!!
قلت: إذًا أنت لا تعتبر الفقر مسوغًا للفاحشة ، وإنما تعتبره عاملًا جوهريًا وخطيرًا قد يقود إليها ، ويغري بارتكابها ؟
قال: هذا ما أردته بالضبط .
قلت: لنرجع الآن إلى سياق حديثنا العام .. فماذا عن الحرمان الثاني الذي ألمحت إليه منذ فترة ؟
قال: أتعبتني يا هذا .. أما كفاك تساؤلات ؟
قلت: بالله إلا أتممت وأجبتني .
قال: لك ما تريد .. إنه (الحرمان العاطفي الجنسي) وكفى !
قلت: هذا الجواب المختصر لا يكفيني ! والخير بتمامه فهلا فصلت ؟
قال: لابد لي قبل كل شيء من أن أشير إلى أن الإرواء الجنسي والعاطفي شيئان متلازمان في الغالب ، أو أن أحدهما وهو (الجنسي) وسيلة رئيسية لبلوغ الإرواء الثاني وهو (العاطفي) . وعلى هذا فإن (الحرمان العاطفي الجنسي) يعني أول ما يعني حرمان الزوجة من المتعة الحسية التي هي إحدى الروابط الرئيسية بين أي زوجين .. ومن هنا فإن الزوج الذي يغفل عن هذه الناحية أو يتغافل عنها ، يكون قد فتح الباب على مصراعيه لزوجته كي تنحرف ، لتعوض حرامًا ما فاتها عن طريق الحلال ، ولاسيما إذا كانت ما تزال شابة أو قريبة العهد بسن الشباب .
قلت: وهل من المعقول أن يغفل زوج أو يتغافل عن هذه المسألة الحساسة جدًا في الحياة الزوجية ؟!
قال: الحق معك في أن تطرح هذا السؤال ، ولذا فإنني أميز لك بين نوعين من الحرمان الأول: الحرمان غير المقصود ، وهو ذلك الذي يتأتى عن قصور فيزيولوجي طارئ ، وفي مثل هذه الحالة ليس أمام الزوج إلا أن يسرح زوجته سراحًا جميلًا ، ما لم يكونا قد تخطيا سورة الشباب ونهم الكهولة إلى أعتاب الهرم والشيخوخة .. عندها لا ضير من استمرار الحياة الزوجية ، إذ لا خشية عندئذ من أية احتمالات .
قلت: لو افترضنا أن الزوجة رضيت بزوجها على علاته ، ولم ترد منه الفكاك ، فما الحل ؟
قال: الحل آنئذ عند الزوج وهو أدرى بظروفه ، فإن شاء أبقى عليها ، وإن شاء انفصل عنها .
قلت: وهل هناك صورة ثانية للحرمان غير المقصود ؟
قال: نعم ، وهي أكثر شيوعًا مما سبق .. إنها (البرود الجنسي) ، وفي هذه الحالة ليس أمام الزوج إلا أن يلازم دكاكين العطارين مكثرًا من تناول التوابل الهندية .. وأن يظل على علم دائم بحقيقة (رأسماله) ."ومن عرف رأسماله باع واشترى"!!
قلت: ألا يحتمل أن يكون البرود الجنسي علة في الزوجة وليس في الزوج ؟
قال: بلى .
قلت: أفلا يحتمل إذًا أن يكون أحد الأسباب التي تدفع الزوج إلى الخيانة ؟
قال: بلى .
قلت: لماذا إذًا لم تضفه إلى الأسباب المتعددة التي ذكرتها آنفًا في خيانة الأزواج ؟
قال: أضفه الآن إن شئت .
قلت: لعلي عرفت الآن صور الحرمان غير المقصود ، فماذا بعده ؟
قال: الحرمان الثاني: وهو الحرمان العاطفي الجنسي (المفتعل) .
قلت: وكيف يكون ؟
قال: بعضهم يهمل زوجته انشغالًا بأمور دنياه من بيع وشراء وربح وتجارة ، وأسفار طويلة متتابعة ..
ـ وبعضهم يهملها زهدًا فيها وتعلقًا بغيرها أو بمجهولة !!
ـ وبعضهم يهملها زهدًا في الحياة نفسها وفي متاعها من نساء وغير نساء !!
وفي هذه الحالات جميعًا ، تصبح الزوجة المسكينة نهبًا لأحاسيس مؤلمة: من غربة وإهمال ، ووحشة ، وعزلة عاطفية ، وخواء روحي ، وتوق جنسي ، ثم ما تلبث هذه الأحاسيس أن تتضخم مع الأيام ، حتى تصبح عقدة مزمنة تبحث لنفسها عن حل ، وهنا ينبري الشيطان ـ شيطان الإنس أو الجن ـ ليقود فريسته بهمة ونشاط ، فرحًا مسرورًا ، إلى أحضان الإثم والآثمين !!
قلت: طيب الله أنفاسك ، لشد ما أفدتني والله . ولكن قل لي ، هل بمقدوري أن أثقل عليك زيادة عما فعلت حتى الآن ، فأحظى منك بأجوبة على بعض الأسئلة الأخرى ؟
قال: إذا كانت ذات علاقة بموضوعنا نفسه ، فعلى الرحب والسعة .
قلت: لها كل العلاقة .
قال: إذًا . اسأل .
قلت: هل تستطيع أن تحدثني عن عواقب الخيانات الزوجية ؟