تحرق الضلالات والخرافات والأوهام .. وتضيء الطريق للمدلجين..
( ) أنظر الفصل الأول من كتاب (حول إعادة تشكيل العقل المسلم) للمؤلف للاطلاع على خصائص التصور المنهجي الذي طرحه القرآن الكريم.
لماذا المنهج؟ (2 ـ 2)
أ. د. عماد الدين خليل 5/2/1427
هذا على مستوى الفكر الإسلامي عامة.. أما على مستوى الفكر التاريخي والكتابة
في حقل التاريخ الإسلامي، فإن المنهج يغدو ضربة لازب .. إذا ما أردنا بحق أن نستعيد معطيات هذا التاريخ ونجعلها أكثر قدرة على التكشف والوضوح، وأشد قربًا من البيئة التي تخلّقت فيها، وأعمق انسجامًا مع المناخ الذي تنفست فيه واستوت على سوقها.. ضربة لازب لأكثر من سبب:
أولًا: غياب الهدف وانعدام الرؤية للكثير من مؤلفاتنا التاريخية القديمة والحديثة.. أي على مستوى المصادر والمراجع على السواء، يقابل ذلك فوضى وارتجال وتخبط، كانت تعاني منها ـ ولا تزال ـ الكثير من هذه المؤلفات.
ثانيًا: غياب الحسّ النقدي، أو عدم حضوره بشكل مؤكد، في معظم الأعمال التاريخية، على خلاف ما كان يحدث في ساحة المعارف الأخرى وبخاصة الحديث والمنطق والفلسفة .. إلى آخره.. يقابل ذلك استسلام عجيب وصل ببعض المؤرخين الكبار أنفسهم حدّ تقبل الكذب والخرافات والأضاليل والأوهام.
ثالثًا: طغيان النزعة (التجميعية) التي دفعت بعض المؤرخين القدماء وعددًا من
المؤرخين المحدثين إلى تحقيق نوع من التوسع الكمي الذي يُقبل، من أجل تحقيق تضخّمه المنشود، كل خبر أو رواية .. ويجيء ذلك على حساب نوعية الإنجاز التاريخي ومنهجيته وقدرته على التركيز والاختزال.
رابعًا: فقدان الأسلوب التركيبي الذي يعرف كيف يجمع الوقائع التاريخية ذات النسغ الواحد والمسار المتوحد، في نسيج تركيبي يمكن المؤرخ من إضاءة ملامحه وتعميق خطوطها وقسماتها، ومنحها المعنى والمغزى المستمد من خامة النسيج نفسه .. بدلًا من ذلك التداخل المهوّش بين الوقائع، والتقاطع بين أنماطها المتباينة، حيث يصعب على المرء أن يتبين الخطوط المميزة لهذا الحشد من التجارب التاريخية أو ذاك.
خامسًا: تعرض المعطيات التاريخية لسيلٍ لا يرحم من التأثيرات (الذاتية) على حساب
(الموضوع) ، أو من خلال الموضوع الذي اتخذ مركبًا لعبور الأهواء والظنون والمصالح والتحزبات .. الأمر الذي غيّر من مكونات الواقعة التاريخية من جهة، وأضاف إليها ـ من جهة أخرى ـ الكثير الكثير مما لم يكن من صلب تكوينها.. فكان ذلك التزوير والتزييف الذي غطى على مجرى الرواية التاريخية في كثير من مساحاته.
سادسًا: غياب المؤسسات التي تأخذ على عاتقها مهمة تعضيد التأليف التاريخي وتوجيهه ووضع أولوياته، على خلاف ما كان يحدث في بعض حقول المعارف الإنسانية الأخرى، وبخاصة الفلسفة والجغرافيا.
سابعًا: انطفاء آخر شمعات الفكر التاريخي في قرون الظلام الحضاري الذي لّف عالم الإسلام قبيل انبثاق الفجر الجديد.. وظهور ذلك الانقطاع المحزن في حقل الإنجاز التاريخي، وتلك الهوة العميقة بين معطيات الأجداد والأحفاد، والتي لعبت دورًا سلبيًا ولا ريب في تمكين الفكر التاريخي من مواصلة مسيرة النضج والاكتمال.
ثامنًا: السبق الزمني الذي مارسه الغربيون في أعقاب هذا الانقطاع، فأخذوا بذلك زمام المبادرة في التعامل مع تاريخنا الإسلامي كشفًا وإضاءة وتحقيقًا ونقدًا وتركيبًا .. ولكن بمناهجهم وأساليبهم وطرائقهم التي ألحقت بمعطياتنا التاريخية كسورًا وشروخًا وتناقضات ليس من السهولة إزالة آثارها المدمرة، دون اعتماد منهج أصيل قدير على حمل الأمانة والقيام بالمهمة الصعبة.
تاسعًا: غياب الرؤية الإسلامية الأصيلة لدى معظم أبناء الجيل الأول والثاني من المؤرخين المسلمين المحدثين أنفسهم .. فلم يكونوا في حقيقة الأمر سوى امتداد للمدرسة الاستشراقية الغربية، ولم يفعلوا سوى أن أضافوا إلى الكسور التي أحدثتها في مسار التاريخ الإسلامي كسورًا .. والرؤية الإسلامية هي المفتاح الذي لابدّ منه لدخول ساحة التاريخ الإسلامي، وبدونه لن يتحقق دخول مشروع.
عاشرًا: ظهور المدرسة المادية التاريخية وانتشارها وكسبها الكثير من الأتباع والمعجبين، ومحاولة إقحام مقولاتها الصارمة، الفجة، في مجرى تاريخنا الإسلامي نقدًا وتركيبًا ..
وثمة أسباب أخرى كثيرة، أقل أهمية، تجعل من حضور منهج للفكر والنشاط التاريخيين ضرورة ملحة ..
والآن فإن محاولات عديدة، لحسن الحظ، شهدتها العقود الأخيرة من هذا القرن، استهدفت التحقق بالمنهجية المنشودة.. على مستوى الأفراد والمؤسسات، وهذا يدل على تزايد الوعي التاريخي الذي كان يعاني في الفترة السابقة من التسطح والضحالة والغياب.
إلا أن معظم تلك المحاولات لم تأت بطائل، فما أن مضت خطوات حتى توقفت