وأعلنت، بلسان الحال أو بلسان المقال، عجزها عن مواصلة الطريق: مؤسسات حكومية، وقيادات فكرية، وجامعات عربية، ومنظمات ثقافية، وتجمعات تخصصية، وأفراد متفرقون هنا وهناك .. كلهم دعوا إلى (المنهج) .. وإلى ما أسموه إعادة كتابة التاريخ .. وقاموا ببعض المحاولات الأولية وطرحوا بعض الإضاءات.. وليس ثمة أكثر من هذا.. ومضت الدعوة إلى اعتماد المنهج وإلى إعادة كتابة التاريخ تصدر من هنا أو هناك، ملحة في الطلب، مؤكدة القول .. وهي دعوة تؤكد ـ مهما كانت النيات التي تختبئ وراءها ـ حضور الوعي التاريخي، وتكشفه وانتشاره .. وتعزّز الوجهة العلمية القائلة بأن اكتشاف قدرات أمة من الأمم وتمكينها من (المعاصرة) و (الحركة) صوب المستقبل، والاستجابة للتحديات، والتفوق عليها، لا يتحقق إلا بالرجوع إلى التاريخ وكشف النقاب عن معطياته وملامحه ومؤشراته .. الأمر الذي لم يكن، في النصف الأول من القرن الماضي، على هذه الدرجة من الوضوح والتأكيد، يوم كان يُرى في الالتفات صوب الماضي، على أثر الصدمة الحضارية الغربية، نوع من الانتحار الزمني في عصر سباق الحضارات، وكان يُرى فيه نزوع رجعي ، وغياب عن العصر ، وعرقلة للتوجه المستقبلي..
ويوم أن كانت ذيول المدرسة المادية التاريخية تطرح بفجاجة وسخف مقولتها الخاطئة بضرورة تجاوز التوجه التاريخي، وقطع الجذور، وإلغاء مقولات المسيرة، والانطلاق من نقطة الصفر الزمنية صوب المستقبل!!
اليوم، غابت هذه الرؤى التي ينفيها العلم بحقائق الأشياء .. واليوم اختنقت تلك الأصوات التي لم تكن تملك سببًا للبقاء والاستمرار ..
واليوم تحل محل هذا وذاك تلك الدعوات الملحة التي تصدر ـ كما رأينا ـ عن العديد من مراكز الثقل والتوجيه والفاعلية: أكاديميًا وعقائديًا وسياسيًا.. الأمر الذي يؤكد حضور
(التاريخ) في نسيج وجودنا الحاضر وحتمية اعتماد مكوناته في لحمة هذا النسيج وسداه، حيث لا يكف النول عن الذهاب والإياب ..
ترى ـ يتساءل المرء ـ: لماذا لم تستطع أية محاولة من هذه المحاولات أن تواصل الطريق وأن تحقق هدفها المنشود؟
إن الدعوة إلى التحقق بالمنهج وإلى إعادة كتابة التاريخ، أو ـ بعبارة أدق ـ إعادة عرضه وتحليله، ليست طريقًا مسدودًا.. فلماذا كان هذا الذي كان؟
ثمة أسباب عديدة وقفت ـ ولا تزال ـ في طريق هذا الهدف، ونحن إن عرفناها جيدًا فكأننا نكون قد عرفنا مواطن الداء فسهل علينا انتقاء الدواء ..
فمن هذه الأسباب، على سبيل المثال لا الحصر:
أولًا: عدم وضوح الرؤية بالنسبة لطبيعة العمل. فمن قائل بضرورة إعادة كتابة التاريخ الإسلامي كله من أقصاه إلى أقصاه، واعتماد بنية جديدة لوقائعه وصيرورته ترفض بالكلية ما قدمه مؤرخنا القديم، ومن قائل بضرورة اعتماد صيغة انتقائية تأخذ بهذا وترفض ذاك، ومن قائل بضرورة إعادة تفسير وتحليل معطيات هذا التاريخ بدلًا من إعادة تركيبه.. وآخرون لا يعرفون على وجه الدقة واليقين ما الذي يقصدونه بالعمل المنشود؛ لأن الضباب يلّف تصورهم فلا يتيح لهم الفرصة لاستبانة ملامح الطريق ..
ثانيًا: ومما يرتبط بهذا، غياب المنهج وضعف القدرة على التخطيط.. فقد تتضح الرؤية أحيانًا، وتتحدد طبيعة العمل، وتتكشف أبعاده .. لكن أسلوب العمل وطرائقه.. المنهج ـ بعبارة أخرى ـ غير متحقق.. ونحن قوم ـ ولنقلها بصراحة ـ نعاني ضعفًا في قدراتنا التخطيطية، ليس هنا مجال استعراض أسبابه، ولشد ما ينعكس هذا الضعف على عدم طرح برنامج عمل محدد الخطوات، مكتمل المفردات، مثبت الأهداف والغايات.
ثالثًا: ونحن قوم نعاني ـ كذلك ـ من فقدان الروح الجماعية التي علمنا إياها هذا الدين وربانا عليها وألزمنا بها، ولكنا تخلينا عن الكثير من مقولاتها ومواضعاتها، وتجمدت تقاليدنا على صيغ فردية قد تبلغ حد الأثرة والأنانية في كثير من الأحيان، فتمحو القدرة على التوجه الجماعي الذي تتكامل فيه الطاقات، وتتضافر القدرات، ويتدفق العطاء لكي يصب في الهدف الواحد ..
والمشاريع الكبيرة في ميادين العقيدة أو الفكر أو العمران والاقتصاد، لهي بأمس الحاجة إلى هذه الروح الجماعية التي يعرف الغربيون كيف يعتمدون عليها لتحقيق الأعاجيب والمعجزات في ميادين الإنجاز .. وإعادة عرض التاريخ الإسلامي، أو تحليله، عمل كبير .. ويوم نتحقق ثانية بروح الفريق، كما أراد لنا الإسلام أن نكون، يوم نتجاوز الفرديات والحساسيات والأنانيات صوب ما هو أكبر وأشمل .. حينذاك نستطيع أن نضع خطواتنا على الطريق ..