رابعًا: غياب التوحد في الرؤية .. فليس بمقدور فريق من المؤرخين يتجه بعضهم يمينًا ويمضي بعضهم الآخر شمالًا، أن يحققوا الهدف المنشود.. وكيف سيكون العمل، الذي يفترض أن يتوحد نسيجه، كيف سيكون إذا كان بعض النسّاجين ليبراليًا، وكان بعضهم الآخر ماديًا وكان بعضهم الثالث إثنّيًا، وكان بعضهم الرابع إقليميًا، وكان بعضهم الخامس مصلحيًا؟ كيف يتحقق مشروع يُراد منه تقديم تحليل متوحّد لمجرى التاريخ الإسلامي، إذا كانت بعض مساحاته منسوجة بالقطن وأخرى بالصوف وثالثة بالديولين ورابعة بالحرير؟
إنه لأمر مستحيل .. بل هو مدعاة للسخرية يقينًا.
خامسًا: وثمة ما يُراد أحيانًا بمشروع كهذا: احتواؤه عقيديًا وتوظيفه من أجل هذه الأيديولوجية أو تلك .. وهذا نقيض الموضوعية .. والموضوعية شرط حاسم من شروط البحث العلمي الجاد .. ثم إن محاولات كهذه قد تملك المال والقدرة، ولكنها لا تملك النفس الطويل الذي يمكنها من المضي في الطريق حتى نهايته .. ذلك أنها رهينة بظروف مرحلية ومتغيرات زمنية.. وسرعان ما تتوقف بتحوّل صيغ معادلات الظروف المرحلية والمتغيرات الزمنية.
سادسًا: وقد يرتبط بهذا انعدام النية الصادقة وتحويل الدعوة إلى عمل دعائي صرف .. والأعمال بالنيات ـ كما يقول رسولنا عليه السلام ـ ولكل امرى ما نوى .. وإذا طال الطريق بين النية والفعل، بسبب ضخامة العمل وانفساح المدى، فلا تُؤتمن العواقب، وربما يُكتفى بالمظاهر السريعة الخادعة بدلًا من الجوهر المخبوء، صعب المنال..
سابعًا: وقد تلعب الحواجز الجغرافية والسياسية بين مؤرخي عالم الإسلام، والتي يتزايد بمرور الأيام، دورها في إعاقة المهمة وعرقلة مضيّها إلى الهدف المرتجى .. فكلما تنادى حشد من المؤرخين.. هنا .. وهناك .. وهنالك، لتنفيذ هذا المطلب الملح، وجدوا
في طريقهم من الأسلاك الشائكة والعقابيل، ما يجعل تحركهم صعبًا قاسيًا ومهمتهم مستحيلة، فيكفون عن الإدلاج فيما لا بادرة ضوء فيه، ويعودون من حيث جاؤوا.
ثامنًا: يرتبط بهذا ـ أحيانًا ـ نقص ملحوظ في الاختصاصات وعدم تكاملها أحيانًا .. فهي
قد تتزايد في جانب ما وتشح في جانب آخر.. تبرز وتطغى في هذه المرحلة
وتنزوي وتذوى في مرحلة أخرى.. والأعمال الجماعية، ما لم تتحقق بالتوازن
والتكامل والتغطية لكافة الجوانب والمساحات، فلن يُرجى تنفيذها.. وإعادة كتابة التاريخ الإسلامي، أو عرضه وتحليله مشروع كبير، فما لم تتبنه وتدعمه مؤسسة قديرة على لمّ الطاقات وتوفير الاختصاصات المتكاملة وتوازنها .. باء بالفشل المحتوم .. ولهذا كان هذا الإخفاق المحتوم مصير عدد من المحاولات التي لا تملك دعمًا يمكنها من التكامل .. وسيكون ..
تاسعًا: وما يُقال عن هذا يمكن أن يُقال عن قلة الامكانات المادية والفنية لكل مشروع يدّعي القدرة على العمل بعيدًا عن الدعم والإسناد .. والإمكانات المادية والفنية ضرورة من ضرورات المشاريع الفكرية الكبيرة، وإلا كنا كمن يرجو من ماكنة ضخّ لا تتجاوز العشرين حصانًا أن تسقي مزرعة تمتد مسافاتها إلى مئات الأفدنة وألوفها ..
عاشرًا: وثمة أخيرًا ـ وليس آخرًا ـ ذلك الإحساس المتزايد بالإحباط، والذي يتراكم إثر إخفاق كل محاولة، وإخفاق كل مشروع بعد أن يمضي خطوات فحسب في الطريق .. وهو إحساس ذو تأثير سيئ غاية السوء، يوحي فيما يوحي بخطأ الفكرة واستحالة تحققها، ويكبّل الإرادة المسلمة من الداخل بالغلّ الذي يشلّها عن التهيؤ، وشحن الطاقة، والانطلاق لتنفيذ الأعمال الكبيرة.
وما لم نتداع لإنقاذ الدعوة من مزيد من الورطات والمطّبات والإخفاق، فإن الإحساس بالاحباط سينتزع المبادرة من أيدينا وسيسلمنا إلى الشلل المحتوم.
وبالتحقق بالبدائل في مقابل هذا كله يمكن أن نضع خطواتنا على الطريق ونمضي بجدّ إلى هدفنا المنشود.
أن تكون رؤيتنا لطبيعة العمل على قدر كبير من النقاء والتكشف والوضوح، وأن نملك منهجًا سليمًا للعمل، وقدرات ذكية على البرمجة والتخطيط .. وأن تنمو في سلوكنا وتتغلغل في دمنا وشراييننا روح الفريق كما أراد لنا ديننا أن نكون، هنالك حيث تذوب المصالح الخاصة والتوجهات الفردية والحساسيات الذاتية والأنانيات، وحيث تكون روح الجماعة وحدها هي المؤشر والدليل.
كذلك يتوجب أن تتوحد رؤيتنا، وأن يمسك بها قاسم عقديّ مشترك يمنعها من التفتت والتناقض والتصادم والارتطام، يمنعها من أن يضرب بعضها بعضًا، وينفي بعضها بعضًا.. منطلق واحد وتوجه واحد ونسيج واحد في العطاء تركيبًا وتحليلًا ..
أن يمسك العمل بتلابيب الموضوعية من بدء المسيرة حتى منتهاها.. إن الموضوعية هنا تعني (العلمية) وبدونها لن تتأتى النتائج المرجوة منبثقة عن رحم التاريخ نفسه، كما تخلقت وقائعها في الزمن والمكان .. لا كما يُراد لها أن تكون.