فهرس الكتاب

الصفحة 21901 من 27345

فهل يريد هؤلاء أن تؤبّد الكوارث حتّى لكأنّها تصير رصيدهم الوحيد من أجل المحافظة على مصالحهم أو لكأنّهم يناضلون من أجل بقائها لأنّها صارت ركازهم السّياسي الوحيد. والغريب أنّ هؤلاء يعشقون نقد الخصم السّياسي الجاثم على السّلطة دون وخز ضمير، ويعلّقون كلّ الكوارث عليه دون نقد ذاتي أو تحمّل وزر قليل في ذلك،ويزداد الأمر غرابة عندما يشرعون حقّ الإنكار على السّلطة ويجعلون ذلك من مفاخرهم، وتراهم ـ في المقابل ـ ينكرون على كلّ من ينتقدهم، فهذا الأستاذ راشد الغنّوشي يفتخر بأنّ من قيم أفراد المسجونين في البلد أنّهم"تعلّموا في مدرسة الإسلام أنّ السّاكت عن الحقّ شيطان"قاله في الذّكرى الثّالثة والعشرين للإعلان عن حركته"، أمّا من ينتقد مناهجه المختلفة والمتناقضة، فهو عندهم شيطان رجيم. نسأل الله الثّبات والعافية والسّتر. إنّ الحزبيّة الّتي نعرفها جيّدا والّتي أنقذنا الله تعالى منها، عصبيّة مقيتة توظّف جيشا من البله والدّراويش لوأد النّقد وردم النّصح وتعطيل جهاد المبتدعة وتعويقهم بحجج فاسدة وبمقولات ماكرة منها: أنّ الرّدّ على المخالف يهدّد وحدة الجماعة، ويشمت فينا الأعداء، ويغسل الصّابون خارج البيت الواحد، وأنّه غيبة محرّمة، وأنّه يأكل حسناتك، وأنّ هذا يعطي الحقّ لمن تنتقدهم أن ينالوا منك، لماذا لا تردّ على العلمانيّين، لماذا لا تنتقد السّلطة، وأنّك تحرّك المياه الرّاكدة، وأنّك تسبّب الخلاف، وأنّك تريد فضح المسلمين، وأنّ هذا من النّتن، وأنّك تقطع الرّحم، وأنّك سيّئ الخلق، وأنّ هذا فتنة، وأنّ هذا تصفية للحسابات وليس دفاعا عن الدّين، وأنّ هذا من أجل البروز والظّهور و الزّعامة وأنّك تدّعي آمتلاك الحقيقة، وأنّ هذا قدح في"القيادة الشّرعيّة"، وأنّك تخالف السّنّة الآمرة بالسّتر واللّين واللّطف، وقد يخوّفونك بسوء خاتمتك تهوّكا وتطلّعا على الغيب، وغير ذلك ممّا لا يتصوّر من جعبة المفلسين الّذين يرجمون بالغيب، وكلّ ذلك يعدّ من العاطفة المزيّفة والمجاملات التي تدافع عن الباطل الحزبيّ وتهين الحقّ الشّرعي ّ... كلّ هذا وغيره كثير يقال لكلّ مسلم يذبّ عن تخليط الحزبيّين ونيلهم من الشّريعة، ووالله لقد سلم منهم أعداء الله ورسوله ومن لطّخت أيديهم بدماء المسلمين وأعراضهم، ومدّوهم بالألقاب ومدحوهم بالكلام ومدّوهم بالأموال، لمجرّد كلمات قالوها في"الخصم المشترك". فلا إلاه إلاّ الله ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه. ووالله لقد آنفرط من حولهم المئات الذين رحتهم أنفسهم فتخلّوا عن كلّ شيئ بما فيها الصّلاة والعقيدة، ولم يتحدّثوا عنهم ولم يأسفوا عليهم، بل كلّ الذي شغلهم وأزعجهم من واصل يجتهد من أجل دينه."

ولا يختلف أهل الحقّ أنّ تلك التّهم التي تنال من المصلحين وهذه الأقوال التي ذكرتها آنفا، فيها الحقّ وفيها الباطل، أو قل هي كلمات حقّ أريد بها باطل، لأنّ فيها من التّلبيس و التّخليط الشّيئ الكثير ليشبّهوا على النّاس دينهم حتّى يروّجوا ما يزعمون من شرع بين النّاس. وهذا هو سبيل المخلّطين في كلّ زمان ومكان وقد رأى أشكالهم شيخ الإسلام ابن تيميّة - رحمه اللّه تعالى - فقال:"لأنّ المضلّل لا بدّ له من أن يتعلّق بدليل شرعيّ ليروّج كلامه لدى النّاس، ولهذا فانّ كلامه الباطل يسمّى شبهة لأنّه يشبه الحقّ بما تعلّق به من دليل... وهذا هو تلبيس الحقّ بالباطل المذكور في قوله تعالى:"ولا تلبسوا الحقّ بالباطل وتكتموا الحقّ وأنتم تعلمون". البقرة 42..الجامع في طلب العلم الشّريف 1 /657 ."

و إنّي على علم أن ّكلّ ناصح سيناله نصيب جمّ من التّهم والتّخليط، ولقد مضت سنّة الأوّلين، ولقد رأينا أنّ أعظم الخلق هم أكثرهم تعرّضا للفتن . قال الشّعبيّ رحمه الله تعالى:"ماذا يتوقّع من هذه الدّنيا الدّنيّة وقد سمّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر الصّدّيق وقتل عمر بن الخطّاب وكذلك قتل عثمان وعليّ وسمّ الحسن وقتل الحسين رضي الله عنهم، وأعطي رأس يحيى بعدما قتل إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل"فإذا وقع هذا بأولئك الأخيار، فكيف لا يصبر من تبع طريقهم ولم يبدّل ولم يغيّر ؟ اللّهمّ إنّا نسألك من فضلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت