فهرس الكتاب

الصفحة 21902 من 27345

قال العلاّمة بكر بن أبي زيد حفظه الله تعالى:"والّذين يلوون ألسنتهم بآستنكار نقد الباطل، وإن كان في بعضهم صلاح وخير، ولكنّه الوهن وضعف العزائم حينا، وضعف إدراك مدارك الحقّ والصّواب أحيانا، بل في حقيقته من التّولّي يوم الزّحف عن مواقع الحراسة لدين الله والذّبّ عنه، وحينئذ يكون السّاكت عن كلمة الحقّ كالنّاطق بالباطل في الإثم...وأضعف الإيمان أن يقال لهؤلاء: هل سكت المبطلون لنسكت، أم أنّهم يهاجمون الإعتقاد على مرأى ومسمع، ويطلب السّكوت ؟ اللّهمّ لا...ونعيذ بالله كلّ مسلم من تسرّب حجّة اليهود، فهم مختلفون على الكتاب، مخالفون للكتاب، ومع هذا يظهرون الوحدة والإجتماع، وقد كذّبهم الله تعالى فقال سبحانه:"تحسبهم جميعا وقلوبهم شتّى"وكان من أسباب لعنتهم ما ذكره الله بقوله:"كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه"الرّدّ على المخالف ص 75 ـ 76 ."

وإسهاما منّي وردّا على هؤلاء الذين يشاغبون بشعارات التّعدّد والحرّيّة والتّنوّع والقبول بالجميع و واقعهم يخالف ذلك وهم ينزعجون من كلّ من ينتقد فكرهم الدّخني المتلوّن، ومناهجهم الضّعيفة الهلكى، أقدّم بين يدي المنصفين والمتواضعين للعلم الشّرعي هذه الورقات أبيّن فيها بالأدلّة الشّرعيّة، أحقّيّة الإنكار على كلّ من خالف الأصول الشّرعيّة ويريدون أن يجعلوها تعسّفا دينا، وقد بنوا إعترضاتهم على العاطفة الجيّاشة للباطل، والعصبيّة البائسة التي تعمي وتصمّ.

وسأتعرّض في هذه الورقات إلى الرّدّ على تهمة النّاصح ب"المتّشنّج"التي يردّدها إمّا جاهل أو حزبيّ متعصّب على كلّ من يذبّ عن الشّريعة المطهّرة، ويرفعون مقالة"لماذا تعنّف في ردّك ولا تليّن"موظّفين العديد من النّصوص التي تستجيب لأهوائهم ويدرجونها ضمن ما يوافق مذهبهم ويغفلون نصوصا أخرى لا تصلح لمناهجهم ـ تماما ـ كما يفعل المبتدعة الذين يمزّقون الشّريعة ويقطّعونها ولا يجمعون بين كلّ نصوصها في المسألة الواحدة، وهذا عين ما فعله اليهود من قبلنا فواجههم القرآن بشدّة وعنف"أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلاّ خزي في الحياة الدّنيا ويوم القيامة يردّون إلى أشدّ العذاب وما اللّه بغافل عمّا تعملون"البقرة.

لقد درج الحزبيّون على الخطإ في منهج التّعامل مع النّصوص الشّرعيّة خاصّة في المسألة الواحدة فيقطّعون بعضها عن بعض ويعملون بما يحلو لهم وما يتماشى مع مذهبهم الذي ضبطوه آبتداء. أمّا أهل العدل والوسط فيعملون بكلّ النّصوص الواردة في المسألة الواحدة ولا يقتصرون على بعضها.

نعم إنّ الأصل أن يخاطب المخالف بلين ولطف لقوله تعالى: ( أدع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) سورة النّحل، الآية 125. ولقوله أيضا:"فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضّوا من حولك"سورة آل عمران، الآية 159. ولقوله أيضا:"فقولا له قولًا ليّنا"سورة طه، الآية 44. ولقوله: ( إدفع بالّتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليّ حميم ) سورة فصلت، الآية 34.

ولقول الرّسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ -:"من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". رواه مسلم من حديث أبي سعي ولقوله أيضا:"ما كان الرّفق في شي إلاّ زانه، ولا نزع من شي إلاّ شانه"رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه

ولقوله أيضا: "إنّ الله رفيق يحبّ الرّفق، ويعطي عليه مالا يعطي على العنف"رواه الإمام أحمد وغيره من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ولقوله:"يسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا"وفي سيرته العمليّة قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - لمن آذاه وهو في حال الحصار:"ربّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون"وقال في حال الغلبة:"اذهبوا فإنّكم أنتم الطّلقاء"..."

وهذه النّصوص يخلو للمتحلّلين المحرّفين أن يقرّروها في كلّ موقع وفي كلّ مناسبة وفي كلّ حالة دون منازع، إلاّ أنّهم ينازعون في نصوص التّشدّد والغلظة مع المخالفين والتي سأقدّمها ـ أخي الفارئ بين يديك طول هذا البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت