و لنأخذ ما يجري على الساحة العراقية في الوقت الراهن كمثال آخر على اتساع رقعة العنف في العالم, فالولايات المتحدة ورغم مرور أكثر من ثلاثة أعوام على احتلالها للعراق،إلا أنها فشلت في تحقيق ما كانت تروج له قبيل غزوها لذلك البلد، من أنها ستحول العراق إلى واحة من الأمن والأمان والاستقرار، ونموذجًا تحتذي به الدول العربية! لكن ما جرى كان على العكس من ذلك تمامًا، فقد أدت سياستها المتهورة والمتغطرسة طيلة الفترة الماضية إلى تدهور الأحوال الأمنية بشكل غير مسبوق مما أدى إلى اتساع رقعة العنف في العراق.
كيف تغير العالم؟
يمكن رصد التغيرات التي طرأت على المحيط الدولي والعلاقات الدولية بعد وقوع أحداث ذلك اليوم، وذلك فيما يلي:
أولًا: بدأت حقبة جديدة في العلاقات الدولية يمكن أن نطلق عليها حقبة القطب المطلق وذلك تمييزًا لها عن حقبة القطب الأوحد التي ميزت فترة التسعينيات من القرن الماضي. وتحاول الولايات المتحدة تأكيد هذه الحقيقة كل يوم وذلك عبر تفردها بالتدخل في كل صغيرة وكبيرة على أرض المعمورة، وذلك من منطلق أنها تتأثر بشكل أو بآخر بما يحدث في مختلف أرجاء الكون.
ثانيًا: دخل العالم في أتون حرب جديدة هي الحرب على الإرهاب، بزعامة الولايات المتحدة، وتوجهت أنظار العالم من الشرق إلى الغرب إلى مطاردة هذا الفيروس المتنامي، وبات على كل دولة أن تقدم العون للولايات المتحدة في حربها على الإرهاب طوعًا أو إجبارًا. واقتصر تفسير مفهوم الإرهاب على الولايات المتحدة التي احتكرت وحدها مفردات هذا التعبير.
ثالثًا: لم تعد العلاقات بين ضفتي الأطلسي كما كانت عليه قبل وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فقد حدثت انشقاقات عديدة على خلفية التجاذب الأمريكي الأوروبي حول كيفية إدارة الحرب على الإرهاب، ومعالجة الملفات الدولية العالقة، وهو ما وضح جليًا إبان أزمة الحرب على العراق، وازدياد الفجوة والتفاوت الفكري بين الولايات المتحدة وأوروبا بشكل عام. ولذا لم يكن غريبًا أن تتراجع الولايات المتحدة عن عنادها مع أوروبا وتسمح لها بالمشاركة في إدارة الملف العراقي عبر بوابة الأمم المتحدة.
رابعًا: اتسعت بشكل غير مسبوق الشقة بين الشرق والغرب، وبات هاجس الشك وعدم الثقة في الآخر قاسمًا مشتركًا في العلاقة بين الطرفين، وبدلًا من تقليل الفجوة بينهما، دفعتها أحداث سبتمبر نحو حلقة جديدة من اللاعودة، أي أن هذه العلاقة غلب عليها طابع الصراع أكثر من التعاون، وذلك على خلفية الاختلاف الفكري والثقافي والحضاري بين الطرفين، والذي كان أول من أشار إليه صموئيل هنتجتنون في بداية التسعينيات من القرن الفائت.
خامسًا: بات العالم الإسلامي قاسمًا مشتركًا على طاولة العلاقات الدولية، ولم يعد يخلو مؤتمر دولي أو لقاء عالمي من الحديث عن ضرورة إصلاح أوضاع هذا العالم، باعتباره مصدرًا للقلاقل والاضطرابات التي تحدث في مختلف أرجاء الكون. ولذا تبذل الدول الإسلامية جهودًا مضنية لإثبات العكس، وتبرئة الدين الإسلامي من تصرفات بعض القلة المتهورة، وهو ما لم يجد له صدى حتى الآن، وجزء من تفسير ذلك أن الغرب لا يفرق بين المجتمعات الإسلامية وبعضها البعض، بل يضع البيض كله في سلة واحدة.
خسائر بالجملة
إدارة بوش، تكبدت خسائر كبيرة في أعقاب حربها التي أعلنتها على 'الإرهاب'، كنتيجة مباشرة لأحداث 11 سبتمبر، فإذا كان من أهداف هذه الحرب تدمير وتفكيك تنظيم القاعدة، واعتقال قادته، وعلى رأسهم أسامة بن لادن، فإن الحرب الأمريكية الغاشمة نالت دولًا عديدة وأهدافًا كثيرة ولم تستطع الوصول للـ'القاعدة'، بل تحول هذا التنظيم من منظمة إقليمية محلية، إلى منظمة دولية لها فروع منتشرة في مختلف أنحاء العالم، استطاعت الوصول بعملياتها إلى قلب أوروبا، وإلى آسيا وأفريقيا، ويمكن أن تزداد خطورة هذا التنظيم وتتضاعف إذا نجح في إنتاج وامتلاك أسلحة كيماوية وبيولوجية.
كما أن الحرب الأمريكية المجنونة على ما يسمى 'الإرهاب' قادت الأمريكان إلى أن يخرجوا خارج أراضيهم، وبالتالي يواجهوا حركات مقاومة تستخدم أساليب حرب العصابات، لتقتل وتصيب الآلاف من جنودهم.
ونتيجة لأخطاء إدارة بوش في أفغانستان والعراق ولبنان، فقد تم تدمير صورة أمريكا في العالم العربي والإسلامي، الأمر الذي أدى إلى أن تخسر حربها في كسب عقول وقلوب العرب المسلمين.
ومن ناحية الخسائر الاقتصادية فقد كلفت الحرب المجنونة على 'الإرهاب' في أفغانستان والعراق دافع الضرائب الأمريكي أكثر من 350 مليار دولار.
حرب مفتوحة لإخضاع العرب والمسلمين
لقد تبنت إدارة بوش إستراتيجية 'الحرب الشاملة على الإرهاب'، دون تعريف لمعنى 'الإرهاب' الذي تريد شن الحرب عليه، أو تحديد للوسائل والآليات المتبعة في شن هذه الحرب ولا متى وكيف تنتهي.