وإدارة بوش لم تعتبر أن الحرب انتهت بتدمير القاعدة واحتلال أفغانستان وإسقاط حكومة طالبان وتنصيب حكومة أخرى مكانها، لأن 'الحرب على الإرهاب'، بالنسبة لها، حرب كونية مفتوحة في الزمان والمكان. ولأن لديها قوائم عديدة أدرجت عليها تصنيفات لا تحصى من التنظيمات 'الإرهابية'، والدول 'الراعية للإرهاب' أو الدول 'العاصية'، أو دول 'محور الشر'، فلم يكن بوسع أحد أن يتنبأ بشكل ومكان 'الضربة' المقبلة، لكن الجميع أحس بوجود 'أجندة سياسية' لا علاقة لها بالضرورة بما جرى في أيلول 2001. فغزو الولايات المتحدة للعراق ثم احتلاله عام 2003، رغم أنف مجلس الأمن، وكذلك حرب إسرائيل على لبنان في 12 تموز [يوليو] الماضي، لم تكن من المنظور الأميركي سوى حلقات في 'الحرب الكونية على الإرهاب'.
'الحرب الكونية على الإرهاب' هي إذًا، وببساطة شديدة، حرب إخضاع منطقة الشرق الأوسط برمتها للإرادة الأميركية وسحق كل من يتصدى لمقاومتها: دولًا كانت أم تنظيمات أم تيارات. ولأن التيار الإسلامي بات هو التيار الرئيسي الذي يحمل راية المقاومة في هذه المرحلة فلا بأس من نعته بالفاشية كي يسهل تبرير الحرب عليه.
ومن السذاجة الاعتقاد بأن هذه الإدارة ستغير من سياستها تجاه المنطقة، فهي سياسة تنبع من رؤية أيديولوجية شديدة الوضوح، وهي رؤية لا تقتصر في الواقع على جناح بعينه وإنما تشمل معظم أجنحة اليمين الأميركي المتطرف، بشقيه العلماني والديني ولا تقتصر فقط على الفصيل المعروف باسم 'المسيحية الصهيونية'، كما قد يتبادر إلى ذهن البعض.
بوش وثقافة التنميط
تهدف ثقافة التنميط إلى تقديم الأفكار والمفاهيم التي تتبناها بعض الجماعات والأفراد، من أجل توصيف الأطراف الأخرى بسمات وخصائص معينة أمام الرأي العام، ومن أبرز الأمثلة المعاصرة لصناعة التنميط، قيام الإدارة الأمريكية بالحديث عن محور الشر، خلال فترة الرئيس ريغان، ثم تطورت عملية التنميط أكثر في عهد إدارة الرئيس بوش وأصبحت هذه العملية تتطرف إلى محور الشر [في وصف المعارضين للهيمنة الأمريكية] ، ومحور الخير [في وصف المؤيدين للهيمنة الأمريكية] ، ثم تطورت صناعة التنميط هذه أكثر فأكثر، وذلك باستخدام بضاعة إعلامية جديدة، تمثلت في مصطلح [الفاشية الإسلامية] الذي استغل جورج بوش مشاعر الغضب الغربي عند انتشار خبر اكتشاف محاولة تفجير الطائرات المسافرة بين لندن وأمريكا، وأحداث لبنان الأخيرة، ومن ثم قام بالحديث بشكل غاضب أمام الرأي العام، وأطلق مصطلح هذه البضاعة الجديدة، من خلال تصنعه اتصالات عدم الرضا والاستياء، وتقمصه لدور الشخص الغاضب. أكدت الدراسات الجارية بأن المصطلح الذي أطلقه جورج بوش لم يأت من فراغ، بل له جذوره وتداعياته والتي يمكن تتبعها في الكثير من نشرات وإصدارات مراكز دراسات المحافظين الجدد والمؤسسات الفكرية والثقافية الصهيونية التابعة للوبي الإسرائيلي في أمريكا، وأيضًا في شبكات وسائط الإعلام الغربية التي تديرها وتشرف عليها العناصر الصهيونية واليهودية.
ثقافة مجنونة
إن المتابع للإعلام الأمريكي، وخاصة الصحف والمجلات ومواقع الإنترنت المتحمسة لليمين المتعصب الذي يحكم أمريكا الآن، يستطيع أن يكتشف بسهولة أن من المفاهيم السائدة بين هذا اليمين المتطرف، الادعاء بأن سياسات التهدئة التي اتبعتها الإدارات الأميركية المتعاقبة تجاه العالم الإسلامي هي المسئولة عن استهزائه الذي وصل ذروته في أيلول 2001. فمنذ خمسين عاما تنازل ترومان وإيزنهاور عن حقوق الغرب في النفط رغم ملكيته الحقيقية، بحكم اكتشافه له ومعرفته بكيفية استخراجه. وقد جاءت الضربة الأولى من إيران في عهد مصدق حين تجرأ على تأميم النفط. بعدها لم يمانع الغرب من التنازل عن بعض حقوق ملكيته لعالم يختلف معه في كل شيء. غير أن التنازل في حقوق الملكية أغرى العالم الإسلامي بالاعتداء على قيمة الحرية. وهكذا جاءت الضربة الثانية من إيران الخميني هذه المرة، حين تم احتجاز رعايا السفارة الأميركية أولا ثم حين أصدر الخميني فتوى تبيح قتل سلمان رشدي. ولأن رد كارتر على هذا العدوان الصارخ على الحرية كان ضعيفا، فقد تجرأ العالم الإسلامي للاعتداء على حياة الأميركيين نفسها.
ويعتقد اليمين الأمريكي أيضًا أن القتلة الأوائل كانوا فلسطينيين من خاطفي الطائرات في نهاية الستينات قبل أن تنضم إليهم قوميات كثيرة أخرى. ولأن الإدارات الأمريكية المختلفة ظلت تنظر إلى هذه الجرائم باعتبارها جرائم فردية يتعين معاقبة مرتكبيها وفقا للقانون، إلا أن الاكتفاء بمعاقبة المجرمين أو حتى بإبادتهم ليس له سوى نتيجة واحدة وهو إعادة تكوين جيوش جديدة من مجرمين أشد بأسا، ومن هنا فإن الحل الجذري هو محو الدول التي ترعى الإرهاب من الوجود بأشد أنواع الأسلحة فت