فهرس الكتاب

الصفحة 22204 من 27345

وحينما يقع الطلاق، فإن الزوجة تحاول بكل السبل تشويه صورة زوجها في أذهان أطفالها، وتنعته بأبشع الصفات، وهي تحسب أنها بذلك تكسبهم لصفها لتبعدهم عن والدهم، أو لتنتقم من والدهم بحرمانه من رؤيتهم، ليس هذا فحسب بل تعمل جاهدة على تشويه صورة عائلة والدهم من أجداد وأعمام وعمات...الخ.

فينشأ الأبناء وهم يحملون في قلوبهم كراهية والدهم وكراهية أعمامهم وعماتهم وجدهم وجدتهم، فتكون بذلك قد ساهمت بقطع كل صلة بينهم في الوقت الذي هم فيه بحاجة لتقوية الروابط مع أسرة أبيهم، ومع أقاربهم ومع عائلتهم الممتدة؛ لأنهم جزء لا يتجزأ منها حتى بعد الطلاق.

وتؤكد د.إلهام أن الشعور بالإحباط والاكتئاب يلازم المطلّق والمطلّقة في فترة ما بعد الطلاق، وهو أمر طبيعي، ولكنه يؤثر على سير العلاقة الطبيعية، ومن الضروري تجاوز الأحقاد والضغائن والالتفات إلى المشاركة في المسؤوليات عوضا عن المحاربة النفسية المستمرة. فليس هناك ضير أن يتفق الطليقان على نظام معين لمواصلة حياتهما بشكل طبيعي، وتقاسم المسؤوليات في حالة وجود أبناء يعكس أرقى صور التقدم المجتمعي، ولكن المسألة لا تعتمد على المطلّقين فقط بل على الظروف الاجتماعية المحيطة وخاصة الأهل. فمسؤولية الأسرة وخاصة الأبناء لا يمكن أن تنتهي لأحد الطرفين بمجرد أن ينفصلا، فهناك التزامات سواء كانت للأب أو للأم يجب أن يلتزم كلا الطرفين بها، وهناك مسؤوليات يتحتم أن يشترك فيها الطرفان حتى بعد الطلاق، فهما اللذان كوّنا هذه الأسرة، وأصبحت جزءًا من مجتمع بل ومن وطن بأكمله، وبالتالي تكون عملية تجاهلها أمرًا غير منطقي، بل وغير أخلاقي.

الطلاق لم يعد كارثة

وتقول د. سعاد شعبان أستاذ علم النفس: إن الطلاق لم يعد شبحًا يهدد حياة المرأة، فمع ازدياد نسبة الطلاق في كل دول العالم صارت المرأة تخرج من محنتها هذه أكثر قوة وثقة في مواجهة مجتمعها والحياة عمومًا

الزواج لا يدوم بالإكراه

بينما يؤكد د. محمد المسير الأستاذ بجامعة الأزهر أن الأصل في الطلاق أنه لا يجوز إلا لأسباب قوية جدًا، وإذا وقع الطلاق فيجب أن يكون التسريح بإحسان كما قال القرآن الكريم (فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ) ، ومن روائع الشريعة الإسلامية أنها جعلت للرجل أكثر من فرصة، فلم تجعل الطلاق مرة واحدة وبه ينتهي الأمر، ولكن جعلت الأصل فيه أن يكون رجعيًا، ومعنى ذلك أن الزوج يستطيع أن يعيد زوجته ما دامت في العدة، وأمامه فرصه ثانية إذا وقع الطلاق الثاني، أما إذا وقع الطلاق الثالث فهنا يختلف الأمر، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره.

ويضيف د. المسير: إن فلسفة الإسلام الراشدة جعلت من حق الزوج أن يعيد زوجته إليه خلال فترة الثلاثة شهور الأولى، وهى فترة العدة، ويتم ذلك دون إذن من الزوجة حرصًا على أشياء كثيرة يمكن أن تتحطم من خلال الطلاق. فهناك أبناء قد يتشرّدون، وأسرة قد تنهار، وتتفكك وظروف نفسية قد تصل إلى حالة مرضية، وامرأة قد تتشرّد أو تلجأ إلى الانحراف، وهناك رجل في سن معينة قد يكون في أشد الحاجة إلى زوجته التي يعتمد عليها، ولذلك أعطى الشرع فرصة للرجل لأن يعيد النظر مرة ثانية في قضية الطلاق الذي وقع خلال ثلاثة أشهر، فقد يكون هذا الطلاق قد وقع نتيجة لحالة انفعالية أو تحت ضغط ظروف غير طبيعية، وهنا يصبح من الممكن تدارك مثل هذه الظروف لإعادة الحياة إلى مجاريها.

إن الإسلام يبيح الطلاق؛ لكنه لا يأمر به إلا عندما تتعرض الزوجة للضرر من زوجها، وتكاد العشرة بينهما تصبح مستحيلة.

إننا نسأل المعترضين على إباحة الطلاق في الإسلام: ماذا ترَوْن إذا بلغت العشرة بين الزوجين حالة لا يطيق فيها أحدهما صاحبه؟ هل ننتظر حتى يتخلص أحدهما من الآخر بقتله؟‍ أو يبحث عن شريك آخر بطريقة غير شرعية؟

وهل مما يجوز في منطق العقلاء أن نفرض على الزوج والزوجة أن يبقيا بالإكراه في سجن لا يستطيعان الخروج منه إلا بطريق غير مشروع؟

العدة فرصة للمراجعة

وترد د. نادية هاشم أستاذة الفقه بجامعة الأزهر على من يحاول من خصوم الإسلام والحاقدين عليه جعْل من مسألة الطلاق في الإسلام جريمة تهدم الأسر وتشرّد الأولاد، فتقول: إن الطلاق لم يكن هو الخطوة الأولى في علاج النشوز، وإنما سبقته المراحل التي تحدث عنها القرآن من الموعظة ثم الهجر في المضاجع ثم الضرب. وفى النهاية إذا أصبحت العشرة مستحيلة، فلم يشأ الإسلام أن يفرض على الزوجين هذه العشرة بالإكراه، وإنما شرع لها حلّين سلميين هما: الطلاق، والخُلع.

والإسلام جعل الطلاق آخر سبل العلاج إذا أخفقت كل محاولات الإصلاح، ومع أن الإسلام يبيح الطلاق ويؤكد مشروعيته، لكنه يعدّه أمرًا بغيضًا عند الله، لا يحبه ولا يشجع عليه، ولكنه آخر الدّواء إذا استعصى داء النشوز على كل الأدوية السابقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت