ومن الصعوبة بمكان إعطاء تعريف محدّد للحداثة، أو تجسيدها في نموذج واحد؛ فالاقتصاديون يركزون اهتمامهم على النمو الاقتصادي، وذلك من خلال ربطها بالتقنية والتصنيع اللذين أدّيا إلى نشوء الرأسمالية والاشتراكية في العالم الغربي. بينما علماء الاجتماع يقدمون لنا عدة تعاريف ونماذج للظاهرة، ويركزون اهتمامهم على ما لحق بنية المجتمع من تغيير، أما علماء السياسة فيركّزون على جانب الأنظمة السياسية وتوازنات السلطة وكيفية تشكيل الحكومات وإدارتها للصراع بين طبقات المجتمع، ومن هذه الزاوية فإن الحداثة تنطبع فيما حدث من تطورات في بنية الديمقراطيات الغربية.
بينما الإعلاميون يرون أن الحداثة تتجلى فيما طرأ على وسائل وطرق وأنواع الاتصال من تطوّر وتغيّر وتعدّد وكثرة ومركزية. وبالتالي ما يحدث في المجتمع من تطوّر في مستوى العلاقات بين مكونات المجتمع وطرق التواصل فيما بينها.
وإذا تأملنا هذه التحدّيات المختلفة في ظاهرها، نجد أن الرابط بينها هو التقنية (Technology) ، أي أن الحداثة وسيلتها الأساس هي التقنية، وما لها من عوامل وآثار اجتماعية وثقافية.
ففي الجانب الاقتصادي حولت التقنية (التكنولوجيا) العملية الاقتصادية من المفاهيم البدائية البسيطة إلى ثورة في المعاملات المعقّدة والمتشابكة، وهذا بدوره ارتبط وأنتج نظم الرأسماليّة والاشتراكيّة والشيوعيّة وغيرها، وهي كلها لا تعدو أن تكون إفرازًا طبيعيًا للتقدم التكنولوجي.
هذه المظاهر والتمظهرات المادية للحداثة، لا ينبغي أن تحجب عنا حقيقة أن الحداثة لها موقف فكري وثقافي، أو كما سبق، موقف عقلي، هذا الموقف أو المحتوى الثقافي، يتمثل في التركيز على التعامل العلمي (Scientific) مع الواقع، والمقصود منه الخضوع للتفسير الوضعي للحياة بعيدًا عن أي لاهوت متعالٍ أو غيب. وهو ما يعني أن الحداثة في جوهرها الثقافي والفكري والعقلي موقف مادي (Materialistic) منفصل عن أي قيم متعالية ليست من صنع الواقع الاجتماعي أو الطبيعي.
وهذه المظاهر أو الأوجه المتعددة للظاهرة ترجع إلى جذر واحد يربطها، ويشكل من خلالها الحداثة كسيرورة تاريخية للمجتمع الغربي. غير أن الأمر لا يتوقف هنا، فعلينا أن نُفَصّل القول في المنهج الذي سارت عليه الحداثة، قصدًا أو عن غير قصد.
المنهج؛ الرؤية والمفاهيم والتطبيقات:
الحديث عن المنهج في الحداثة يقتضي منّا تفصيل الكلام عن الرّؤية الكونيّة التي شكّلت هذا المنهج، ثم أهم المفاهيم التي انتجتها أو قامت عليها الحداثة، ثم بعض التطبيقات لهذا المنهج والمتمثلة في المظاهر التي يمكن أن تنطبع فيها الحداثة، وكذلك القطاعات التي تشملها.
فيما يتعلق بالرؤية الكونية، فإنها بدأت تتشكل منذ بدايات القرن الخامس عشر الميلادي، وذلك من خلال ثلاثة تيارات مهمة في التاريخ الحضاري الغربي؛ وهي حركة الإصلاح الديني (البروتستانتي خاصة) ، والعقلانية أو الفلسفة العقلانية الحديثة، وكذلك التيار الإنساني (humanism) .
حيث عملت الاتجاهات الثلاثة متضافرة معًا وظيفيًا ومتعاقبًا زمانيًا ومتكاملة على بناء رؤية كونية حديثة للعالم، والتخلص من الرؤية القائمة على المنظور الكنسي الأرسطي التقليدي (Ecclesiastic) .
وإذا كانت البروتستانتية حررت المسيحي الغربي من سلطة الكنيسة والباباوات وانفرادهم بتفسير النصّ المسيحي الديني المقدس، والهيمنة على العقل والمعرفة، فإن الحركة الإنسانية عملت على التركيز على أن الإنسان الفرد هو المرجع في كل شيء؛ سواء في ذلك القيم أو المعايير أو الحقيقة في هذا العالم.
ومن جهتها عملت الفلسفة العقلانية على التأسيس للتفسير العقلي لحركة التاريخ والحضارة، وعلى إيجاد معاني عقلانية لكل المفاهيم المرتبطة بالإنسان في هذا الكون، فشكّلت العقلانية ابتداءً من كوبرنيكوس وكبلر وغاليليو ثم ديكارت وسبنسر وسبينوزا ولوك وهيوم وغيرهم من التجريبيين أيضا، هذه العقلانية شكّلت نظرة للكون قائمة على استبعاد المقدس عن أن يساهم في صناعة التاريخ، كما أنها رسّخت مفهوم المادة في مقابل الروح، أو انفصال الأخروي عن الدنيوي، خاصة العقلانية الديكارتيّة التي مهّدت للعلمانية على مستوى التفكير، لتنطبع في الواقع في علمانية روسو والثورة الفرنسية، التي حصرت المقدس إلى حساب توسيع الزمني في هذه الحياة.
هذه التيارات الثلاثة، إضافة إلى اتجاهات البحث في الفلك والبيولوجيا والفيزياء وعلوم الكيمياء والعضويات، صاغت مع"أوغست كونت"ما يسمى"بالوضعية"باعتبارها ليست اتجاهًا فلسفيًا فحسب، بل رؤية كونية قائمة على تنميط الإنسان وعقله وتجربته مرجعًا للحقيقة ومصدرًا للتفسير، ومن الطبيعة المجال الأوحد للفعل التاريخي، الذي ليس له امتداد آخر (غيبًا كان أو ميتافيزيقا) متعالٍ عن المادة.