فهرس الكتاب

الصفحة 22208 من 27345

هذه هي الرؤية المركزية لمنهج الحداثة، الوضعية والعلمانية رؤية للكون والتاريخ والإنسان، ووفق هذه الرؤية وما حدث فيها من تعديلات عبر الزمن، تطوّرت الحداثة، ونضجت لديها مجموعة من المفاهيم تميز هذه المرحلة عن مرحلة ما قبل الحداثة (أي مرحلة القرون الوسطى) ، ولعل من أهم هذه المفاهيم؛

مفهوم العلم (Science) حيث أعطى له محتوى وضعيًا، وصار العلم هو ما أنتجه العقل البشري من خلال تعامله مع الواقع؛ طبيعيا كان أو اجتماعيًا، إضافة إلى المعرفة الرياضية واللغوية، ولا شيء خارج الطبيعة واللغة والرياضيات.

وعليه تم استبعاد كل ما له صلة بالغيب من مفهوم العلم، ولهذا صار الدين خارجًا من مفهوم العلم، بل لا صلة للدين بالعلم، كما أن قضايا الدين لا يمكن إقامة الدليل عليها، لأنها ذات طبيعة فوق تاريخية، أو ما وراء الطبيعية، والعلم نطاقه العقل والتجربة والواقع. فصار الدين يشكل في عُرف الحداثة حيّزًا ضيّقًا ضمن نوع من أنواع الأسطورة، وإن سمح الأمر -كما يقول أركون أحد فلاسفة الحداثة الغربية- فإن الدين ذو بنية أسطورية متعالية.

استبعاد المقدس، أو علمانية الحياة (Secularism)

وهو مفهوم مرتبط بالنظرة الكونية التي شكلت الحداثة، فلا دخل للدين في صناعة التاريخ، وإن أمكن إعطاؤه دورًا فهو دور مشارك وليس مركزيا، وذلك من خلال الدور الاجتماعي للقيم الدينية، والتي يقوم فيها الدين، أو المقدس، بأداء دور لصالح الزمني أو الدنيوي، أما أن يهيمن الدين على التاريخ أو يوجهه أو يصوغ الحياة، فهذه نظرة كنسية تم القضاء عليها، وتم حصر الدين أو المقدس في أداء دور ثانوي تقتضيه الضرورة العقلية المنطقية كما هو شأن"ديكارت"و"كانت"، أو تقتضيه الضرورة الاجتماعية كما هو شأن"دوركايم". أي أن دور الدين محدد بالضرورة، وبقدر ضئيل، وإن لم يُزل تمامًا فإن تهميشه قد تمَّ. وهذا بدوره أعطى مكانا لمفهوم آخر هو المادية.

والمادية (Materialism) ، وإن كانت تشكل نظرة كونية ورؤية كلية للحياة من خلال التيارات الثلاثة السابقة الذكر، فإنه يشكل مفهومًا مركزيًا في تراث الحداثة المفهومي والفكري، فاعتبارًا من مفهوم العلمنة والحياة، فإن المادة هي ذات الأولوية في صناعة وتوجيه حركة التاريخ.

ولهذا نجد مفهوم الكم قد أُعطي أولوية كاملة على حساب مفهوم الكيف، كما أن معيار الكم صار هو الفيصل في قياس التقدم والتخلف، والقوة والضعف، والفاعلية وعدمها. أما المفاهيم الروحية مثل الله، الحق والخير والدين، فصارت فارغة من محتواها إلا بمقدار ما تنفع وما يقابلها من مادة، وما تجلبه من ربح مادي وتراكم للمادة.

وهناك مفهوم آخر من المفاهيم المركزية في فكر الحداثة هو مفهوم التقدم، حيث أُعطي له محتوى جعل منه حصان طروادة لكل ثائر على القيم، أو معارض للعُرف والمعروف والمتعارف عليه. فالتقدم مفهوم يتغنى به الحداثيون، ويجعلون العلامة عليه القطيعة مع التراث ومع السلف والتوجه نحو المستقبل ونشدان التغيير إلى ما لا نهاية.

وأهم جوانب التقدم، وأكثرها وضوحًا، هو التقدم المادي، وطبعًا في التعليم والتقنية والسيطرة على الطبيعة، والتحكم في مواردها.

والمفهوم الآخر هو العقلنة (Rationality) ، حيث تقوم الحداثة على عقلنة كل شيء؛ الإنسان والطبيعة والتاريخ، وحتى الدين ذاته قد تمت عقلنته، فكل شيء تم إخضاعه للإدراك العقلي، ومناهج النظر العقلي. فكل ما يمكن عقله فهو داخل ضمن إطار الإدراك والتعامل، وبالتالي فهو واقعي، وحتى ما لم يكن قابلًا لذلك فقد تم إخضاعه، ويتجلى ذلك في جهود"كانت"و"ديكارت"و"هيجل"وغيرهم.

في الأخير، وإكمالا للحديث عن المنهج، فإن أهم تطبيقات هذا المنهج تتجلى في الثورة الفرنسية، والتي كان"روسو"أباها الأول، حيث رفعت شعار"اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قِسّيس"، مما يعني الثورة على كل قديم، وعلى النظامين الكنسي والسياسي بصفة خاصة. ومعروف ما كان للثورة الفرنسية من تأثير في العالم الغربي خاصة، من حث على تغيير الأوضاع القائمة.

كما أن من تطبيقات هذا المنهج، انتشار الديمقراطية الغربية، وسيادتها في أنظمة الحكم، واتخاذها منهج الحكم الوحد، وما تستلزمه هذه الديمقراطية من علمانية وعلمنة، وفصل بين الدين والدولة، وصراع التوازنات، وحديث عن حقوق الانسان وتغييب لحقوق الله.

ثم التقدم المادي الاقتصادي الكبير الذي حدث في الغرب، وما جره ذلك من استنزاف لموارد الطبيعة، وإتلاف لقدراتها، وتنميط الإنسان كأنه كائن ذو بعد واحد؛ هو البعد المادي، واعتبار التقدم الاقتصادي معيارًا أوحدَ لقياس رفاهية وسعادة الانسان وتحقيقه لأهدافه في هذا العالم.

وكذلك من هذه التطبيقات نجد العلوم الطبيعية والاجتماعية والانسانية التي تطورت بشكل مذهل لتحقيق مقولات التقدم والتحديث، ولكن وفق منظور مادي ورؤية اختزالية تختصر الإنسان وتطلعاته وأشواقه في أفق مادي محدود.

وختام الكلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت