قد تتفاعل بعد فترة وتقول وفقت في سلوك هذا الطريق نتيجة قدرات عقلية ، وتنسى السبب الحقيقي والأساس وهو فضل الله عليك ورحمته ، وهي قضية يجب أن تتصورها ولا تغيب عن بالك يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم (( ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًًا ) )وأبونا إبراهيم - عليه السلام - يقول كما حدثنا الله عنه في كتابه العزيز (( فلما رأى القمر بازغًا قال هذا ربي فلما أفل قال لأن لم يهدني ربي لأكو نن من القوم الضالين ) )فإبراهيم عير مستغنٍ عن هداية الله وتوفيقه والله - عز وجل - يقول في الحديث القدسي (( يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم ) )والنبي صلى الله عليه وسلم يبين لنا حقيقة الإنسان ومدى قدرته عن الاستغناء عن خالقه (( إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ) )ومفهوم تقليبها مفهوم واسع ، فالحديث خطاب لمن كان مستقيمًا أن يسأل الله الثبات وخطاب للمنحرف أن الله - عز وجل - قد يقلب قلبه فيتحول إلى خير رجالات الإسلام بعد أن كان من أفسق الناس ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم (( لقلب ابن آدم أشد تقلبًا من القدر إذا استجمعت غليانه ) )والمشرك قد يقتنع أن الإسلام هو الدين الصحيح لكن الله لم يوفقه لسلوك ذلك الطريق فيبقى منحرفًا ضالًا وفي هذا المعنى يقول أبو طالب:
ولقد علمت بأن دين محمد *** من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة *** لوجدتني سمحًا بذاك مبينا
فقد مات وهو يردد هذه الأبيات التي تبين أثر منة الله - عز وجل - في توفيقه لسلوك الطريق المستقيم .
الجانب الرابع
هذه المرحلة بداية حياة جديدة بعد أن تشعبت بك الطرق . والتغيير يطرأ أولًا في المظهر ثم في القلب والاهتمامات ، فتجد الشاب في السابق كانت أكبر قضية عنده الرياضة أو الدراسة ثم تغيرت اهتماماته لتصبح نصرة الدين وحسن الختام والتعلق بالآخرة ، وقد يكون الشاب يحب فلانًا لظرافته ثم لما تغيرت مفاهيمه بدأ يحب في الله ويبغض في الله .
ومن التغيرات النظرة إلى الوقت فقد كان في السابق يعتبر الوقت فراغًا يريد التخلص منه بأي صورة ، أما الآن فيعتبر الوقت فرصة لحفظ كتاب الله ولفعل أمورٍ تفيده في الدنيا والآخرة ، بل يعتبره الشاب أثمن ما يملك لأن الوقت هو العمر وهو الحياة ، فإذا انتهى الوقت انتهى الإنسان .
إذًا نظرة الشاب للوقت اختلفت باختلاف اتجاهه فأصبح لا يشتكي من الفراغ بل على العكس يفرح به ليدخل على شخصيته مزيدًا من التقدم والعطاء المحفوف برضى الخالق - جل وعلا - وقد يفهم بعض الشباب أنه بمجرد أن قرر سلوك الطريق المستقيم قد انقطع عن الماضي بكامل رواسبه وهذا تصور خاطئ ولا شك ، إذ عليه أن يوقن أن رواسب الماضي ستبقى وقتًا طويلًا وأن الخلاص منها يحتاج إلى تربية .
يقول أبو واقد الليثي - رضي الله عنه -: (( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن حدثاء عهد بكفر - أي جدد على الإسلام -فكانت للمشركين شجرة ينوطون بها أسلحتهم ويتبركون بها فتنادينا من جنبات الوادي وقلنا يا رسول الله: أجعل لنا ذات أنواط ) ).
إذا الإنسان يحتاج حتى يرتقي في مراتب الخير والصلاح إلى تربية نفسه وإعدادها لذلك .
الجانب الخامس
سؤال يطرح دائمًا كيف اتعامل مع الماضي؟
هناك عدة نقاط:
أولًا: بعض الناس كل تجاربهم سيئة فقد كان يفعل المعاصي ويتحدث بها مع زملاءه ومع الناس وهذا مخالف لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل عملًا في الليل فيستره الله فيصبح فيقول يا فلان عملت كذا وكذا بات يستره الله فيكشف ستر الله عليه ) )، فالمجاهر بالمعصية يهونها على نفسه وأما بقائها داخله فتدفعه إلى التوبة والدعاء والاستغفار لكن المجاهرة بها تجعلها سهلة ومألوفة .
والمعصية بين الإنسان وربه تشكل ضغطًا عليه، وهذا يعود عليه بالفائدة لأنه سيتوب إلى الله ومن نتائج المجاهرة أن يهونها على زملائه وتكون بذلك دعوة غير مباشرة للوقوع في تلك المعصية .
إذًا القضية الأولى أن تتجنب الحديث عن الماضي بكل ما فيه من معاصي وبعد عن الله - عز وجل - إلا لحاجة شرعية أو لكفارة ، أما سوى ذلك فلا ينبغي التحدث فيها لما تنطوي عليه من سلبيات كثيرة .