فهرس الكتاب

الصفحة 22315 من 27345

وهكذا تستمر القافلة المباركة ؛ لتقف عند أكمل الخلق شكرًا واستغفارًا ،ألا وهو نبينا، فبعد حياةٍ حافلة بالبلاغ ،والجهاد ،والصبر ،والبذل ،والعطاء ،تتنزل على قلبه سورة النصر ، تلك السورة العجيبة التي جمعت ـ رغم قصرها ـ بين البشرى بالفتح، وبين نعي أكرم نفس بشرية ،فيمتثل _صلوات الله وسلامه عليه_ هذا الأمر في أمرين: أحدهما قولي، والآخر فعلي:

أما القولي فكان يكثر أن يقول ـ في ركوعه وسجوده ـ سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن ،أي: يمتثل أمر الله له بالتسبيح والاستغفار، والحديث متفق عليه.

وأما الامتثال الفعلي، فيتجلى في الإكثار من قيام الليل حتى تتفطر قدماه. وحين يدخل ـ بأبي هو وأمي ونفسي ـ مكة عام الفتح منكسًا رأسه، متخشعًا، معلنًا بذلك خضوعه، وتواضعه، وتذلله لربه _جل وعلا_ ، ثم شفع هذه الهيئة المعبرة عن التواضع العظيم بثمان ركعات من الضحى، شكرًا لله _تعالى_ على هذه النعمة الكبرى.

فإذا كان هذا حال سادة الرسل، فغيرهم أحوج ما يكون إلى شكر الله، والدوام على ذلك، مع دوام استغفار الله؛ فإن الحاجة تشتد إلى الإكثار من هاتين العبادتين، فبالشكر تدوم النعمة، وبالاستغفار تُغفر الزلة وتقال العثرة.

لذا فنحن مضطرون أشد الاضطرار إلى أن تتواطأ ألسنتنا مع قلوبنا على شكرٍ يحفظ النعمة، واستغفارٍ يرقع الخلل، عسى ربنا أن يتقبل ما منَّ به علينا، ويتجاوز عما قصّرنا فيه، وما أكثره !

فبعد أن ذكر الله _تعالى_ فرضية الصيام، وشيئًا من أحكامه، جاء التعليل الرباني لهذه الأحكام بقوله:"يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون" (البقرة: من الآية185) ،والمعنى: ولتشكروا الله على ما أنعم به عليكم من الهداية والتوفيق.

يقول التابعي الجليل بكر بن عبد الله المزني ـ رحمه الله ـ: قلت لأخٍ لي: أوصني! فقال: ما أدرى ما أقول ! غير أنه ينبغي لهذا العبد ألا يفتر من الحمد والاستغفار، فإن ابن آدم بين نعمةٍ وذنبٍ ،ولا تصلح النعمة إلا بالحمد والشكر، ولا يصلح الذنب إلا بالتوبة والاستغفار.

ويقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ:"وما أتي من أُتي إلا من قِبَلِ إضاعة الشكر، وإهمال الافتقار والدعاء، ولا ظفر من ظفر ـ بمشيئة الله وعونه ـ إلا بقيامة بالشكر، وصدق الافتقار والدعاء، ومِلاكُ ذلك: الصبر، فإنه من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس فلا بقاء للجسد".

وحري بمن وفق للشكر أن يلاقي من ربه أعظم مما قدّم ،فإن الرب أعظم شكرًا.

يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ:"والله _تعالى_ يشكر عبده إذا أحسن طاعته، ويغفر له إذا تاب إليه، فيجمع للعبد بين شكره لإحسانه، ومغفرته لإساءته، إنه غفور شكور. والله _تعالى_ أولى بصفة الشكر من كل شكور، بل هو الشكور على الحقيقة، فإنه يعطي العبد ، ويوفقه لما يشكره عليه، ويشكر القليل من العمل والعطاء، فلا يستقله أن يشكره، ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة، ويشكر عبده بقوله، بأن يثنى عليه بين ملائكته، وفي ملئه الأعلى، ويلقي له الشكر بين عباده، ويشكره بفعله، فإذا ترك له شيئًا أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئًا رده عليه أضعافًا مضاعفة، وهو الذي وفقه للترك والبذل، وشَكَره على هذا وذاك ...".

رابعا: الاهتمام بالقبول، ويقول علي، رضي الله عنه: كان أصحاب النبي يعملون العمل بهمة ثم إذا فرغوا أصابهم الهم أقبل العمل أم لا؛ فالهدف من الصوم هو التقوى فإذا تحققت فيك التقوى مع نهاية الشهر فقد قبل منك رمضان بفضل الله وبين لنا الحبيب أن من علامات قبول الطاعة أن تتبعها طاعة لا أن تتبعها معصية.

وها هو علي، رضي الله عنه، يخرج في آخر ليلة من شهر رمضان، ينادى بأعلى صوته:-

ليت شعري ! من هذا المقبول فنهنيه ؟؟ ومن هذا المحروم فنعزيه ؟؟

ومثله كان ابن مسعود، رضي الله عنه، يقول:

من هذا المقبول منا فنهنيه ؟؟

ومن ها المحروم منا فنعزيه ؟؟

أيها المقبول هنيئا لك

أيها المردود جبر الله مصيبتك !

فلنجتهد لنكون من المقبولين

ولنلحق بركب الصالحين

خامسا: الثبات على الطاعة

صحيح أن أيام رمضان لها ميزة خاصة وطاقة خاصة. ولكن نأخذ من هذه الطاقة ما يعيننا على الثبات بعد رمضان؛ فأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. وهنا تتضح الحكمة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر ) والحكمة أن تثبت على الطاعة وتأكيد على الاستمرار في فعل الخيرات ورب رمضان هو رب كل الشهور.

ماذا تقول لامرأة جلست طوال شهر كامل تصنع ملبسا من الصوف بالمغزل حتى ما ان قرب الغزل من الانتهاء نقضت ما صنعته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت