فهرس الكتاب

الصفحة 22351 من 27345

وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يصف لنا حال المفرط في داخل القبر، فيقول '. ويأتيه ملكان شديدا الانتهار، فينتهرانه، ويجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟! فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟! فلا يهتدي لاسمه، فيقال: محمد! فيقول: هاه هاه، لا أدري, سمعت الناس يقولون ذاك، فيقولان: لا دريت ولا تلوت, فينادي منادٍ أن كذب عبدي، فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ويأتيه [وفى رواية: ويمثل له] رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: وأنت فبشرك الله بالشر من أنت؟! فوجهك الوجه يجيء بالشر! فيقول: أنا عملك الخبيث، فوالله ما علمت إلا كنت بطيئًا عن طاعة الله، سريعًا إلى معصية الله، فجزاك الله شرًا، ثم يقيّض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة, لو ضُرب بها جبل كان ترابًا, فيضربه ضربة حتى يصير بها ترابًا، ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، ثم يفتح له باب من النار، ويُمهد من فُرش النار، فيقول: رب لا تقم الساعة.

العذاب النفسي أشد وأنكى:

فسبحان الله, هو يرى الجنة أمام عينه.. يرى مقعده في الجنة.. يرى الخير الذي أعد له إذ كان أطاع الله تعالى.. فحقًا.. إن الله لا يخلف الميعاد.. وحقًا والله إن الجنة حق والنار حق, ولكن المعذب في قبره لا يدرك هذا كله إلا بعد فوات الأوان..

قبر الغاوي من الداخل:

كثيرًا ما يغرق الإنسان في حياة المادة والشهوات, فإذا ما ذكر بأحاديث القبر ونعيمه وعذابه لا يتذكر ولا يتدبر, بل وقد يشتط ويطغى, مثل من أنكر عذاب القبر من الغفلة والغاوين.

ولكن إذا ما تطابق الغيب مع الشهادة, ورأت العين ورفعت حجب الغيب، وانكشف غطاء الشك.. لا يسع الإنسان بعدها إلا أن يرفع إصبع السبابة إلى السماء, ويعلو صوته في الأجواء, ويقول: 'لا إله إلا الله'.

يقول رجل كان يعمل نباشًا للقبور, فلما تاب إلى الله سأله أحد العلماء: ما السر في توبتك؟! فقال له الرجل: لقد كنت أنبش قبور المسلمين بعد دفنهم لأسرق الأكفان والأسنان الذهبية وغير ذلك, فنبشت ألف قبر, فما وجدت واحدًا منهم موجهًا إلى القبلة, مع أن أقاربه دفنوه منذ ساعات وتركوه موجَّهًا إلى القبلة!!! فقلت في نفسي: ما الذي حوَّلهم عن القبلة؟! فعلمت أن ما فعلوه في الدنيا ظهر في قبورهم, فعزمت على أن أتوب قبل أن يأتيني ملك الموت وأنا على تلك الحالة.

نعم أخيتي.. ما فعلوه هنا ظهر هناك!!!

قد يقول ضعيف الإيمان: هذه خرافات, وما الذي يؤكد لي أن هذا الكلام صحيح؟!

فهذا نقول له: أيها الأخ الحبيب, هذا مما رواه علماء فضلاء, ولكن إن أبيت إلا الإعراض فنذكر لك ما رواه من هو من خير القرون, خادم النبي صلى الله عليه وسلم وغلامه النجيب 'أنس بن مالك' رضي الله عنه وأرضاه..

قال: كان منا رجلٌ من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فانطلق هاربًا حتى لحق بأهل الكتاب، قال: فرفعوه، قالوا: ما هذا؟! قد كان يكتب لمحمد صلى الله عليه وسلم. فأعجبوا به, فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم، فحفروا له فواروه, فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه, فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، فتركوه منبوذًا.

روضة المحبين!!

هل يعذب المحب حبيبه؟!!

هل يزعجه؟! هل يخيفه؟! هل يفزعه؟! هل يؤلمه؟!

هذا غير متعارف عليه في عالم البشر, فكيف إذن مع رب البشر سبحانه وتعالى!!

الذي قص في كتابه الكريم أن رحمته وسعت كل شيء, وأنه سيكتبها للمتقين.. قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156]

وقال أيضًا عن أوليائه: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} .

فها هم.. أخيتي.. أحباب الله تعالى كانت موتتهم هنية, وتوفتهم ملائكة طيبون بيض الوجوه, وصعدت أرواحهم الطيبة إلى مغفرة من الله ورضوان, تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، صلى عليهم كل ملك بين السماء والأرض, وكل ملك في السماء.. وحان الوقت الآن أن تعود الروح إلى الجسد، وآن الأوان أن يصدق وعد الله: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ} .

عندما يكلم القبر المؤمن:

هل يتكلم القبر؟! هل يتكلم التراب والحجر؟!

هل يتكلم وينطق ويفهم منه الكلام؟! نعم أيتها الأخت الحبيبة, إن الذي أذن للطفل الرضيع أن يتكلم في مهده قادر على أن ينطق الحجر والشجر.. هكذا جاء في الأثر..

ولكن ماذا يقول للعَبد المؤمن...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت