وكل ما يتأكد بالأصول القرآنية والحديث الصحيح فهو من التراث الصحيح، ولقد واجهت أصالة التراث هزة شديدة بعد نكسة 1967م حيث علن أصوات المارقين من دعاة التغريب إلى القول بأن التراث الإسلامي هو مصدر الهزيمة وكذبوا فإن التراث الإسلامي لم يكن مطابقًا ولا معمولًا به في ذلك العالم الذي شاهد الهزيمة، بل إن الذين هزموا العرب كانوا هم الذين أحيوا تراثهم الزائف. بينما حجبوا المسلمين عن تطبيق مفاهيم تراثهم وقيم فكرهم الأصيل.
ولا تزال النظرة إلى الارتباط بالتراث نظرة أصيلة وثابتة عن حقيقة أساسية هي أننا لم نكن نصدر - إذ ذاك عن قيمنا الأصيلة، وإننا مغرقين في تبعية وافدة كانت بعيدة الأثر في شخصيتنا وقد تبين لنا أن كل ما تقع الأمم فيه من أخطاء إنما يعود إلى التفريط في التراث والانسحاب من قيمه والتحرك خارج دائرة الأصالة كما تبين أن الذين دعوا هذه الأمة إلى أن تنفصل من التراث ومن الماضي - وهم من أبناء جلدتنا - كانوا غاشين لنا وسوف يحملهم التاريخ مسئولية الهزائم والنكسات وإثمها وتبعتها ولقد تبين لنا أننا عندما عدنا والتمسنا أصالتنا وتراثنا وبدأنا نتجه صوب المنابع تحول الموقف واستطعنا أن نكون على طريق صحيح.
ومن هنا وجب علينا اليقظة إزاء محاولات التغريبيين (شعوبيين وماركسيين وغربيين) لإحياء التراث ونقده وتفسيره وخاصة أولئك الذين يريدون أن يجعلوا من الزيوف والركام والرواسب الفلسفية والفكرية التي نفاها الفكر الإسلامي وتخلص منها وألقاها بعيدة عنه، يريدون أن يجعلوا منها تراثًا وأن يعيدوها مرة أخرى ليلقوها في النهر الناصع لتسممه وتسوده كما فعل طه حسين وعلي عبد الرازق وزكي نجيب محمود ولويس عوش وحسين فوزي وتوفيق الحكيم وعبد الرحمن الشرقاوي فقد حاول هؤلاء وغيرهم عدة محاولات:
إفساد التراث وتزييف التراث وتسميم النظرة إلى التراث وعلينا أن نعي تمامًا تلك التفسيرات الخاطئة والمفاهيم المسمومة التي طرحتها هذه الكتابات في محاولة لجعلها من مفهوم الإسلام أو من تاريخه حتى تصبح بين أيدي الأجيال القادمة وكأنها من المسلمات.
فعلينا إمعان النظر في تلك الأساليب الدخيلة والزائفة والمحرفة التي طرأت في السنوات الخمسين الأخيرة منذ الشعر الجاهلي لطه حسين إلى تجديد الفكر العربي لزكي نجيب محمود.
وهكذا نرى أن التغريب والغزو الثقافي ليس قاصرًا على إدخال الوافد المسموم بل هو أيضًا يرمي إلى تزييف التراث الأصيل.
محاذير الترجمة
في مواجهة تلك الظاهرة الضخمة في الفكر الإسلامي الحديث وعن طريق الأدب العربي في الأغلب ندرس ظاهرة الترجمة من الفكر الغربي: سواء الفكر اليوناني القديم أو الفكر الغربي الحديث.
وهي ظاهرة شبيهة بسابقتها في القرن الثالث الهجري وإن كانت تختلف في أمر واحد هو مفتاح كل الأمور: ذلك هو امتلاك الإرادة التي كان يتميز بها منهج الترجمة في العصر الأول ومع ذلك فقد ترجمت كتب الفلسفات والوثنيات وأحدثت شرخًا هائلًا وصدعًا ضخمًا لم تستطع حركة الأصالة جبره إلا بعد معركة طويلة استمرت مدى قرنين من الزمان.
أما معركة الترجمة المعاصرة فإنها أشد خطرًا وأبعد أثرًا فقد جاءت على حين فترة من الزمن لم يكن المسلمون والعرب يمتلكون إرادة الاختيار فيها ترجم لهم واستطاعت حركة التغريب والغزو الثقافي أن تسيطر وأن تترجم لهم ما ليسوا في حاجة إليه أصلًا ونحت عنهم ما هم في حاجة إليه وكانت حفية بأن تترجم لهم الفكر الوقني والفلسفات والمذاهب المادية والإيديولوجيات المتضاربة في حين أنها حالت بينهم وبين ترجمة العلوم والتكنولوجيا بل حالت بينهم وبين إحياء تراثهم الأصيل ولذلك فإن آثار هذه المعركة ستظل إلى مدى بعيد عميقة الأثر في النتائج الفكري المعاصر تاركة ظلالها السوداء على كثير من صفحاته.
إن معركة الترجمة لم تبدأ من منهج صحيح مدروس ينظم مدى ما نحتاجه وما لسنا في حاجة إليه، وإنما أخذ التغريب والغزو الثقافي بالمبادرة ومضى يقدم لنا على مدى قرن كامل نتاجًا سيئًا غاية السوء، قوامه ترجمة القصة المكشوفة الأجنبية، والتراث اليوناني الوثني، والمفاهيم المادية والإباحية في مجالات النفس والاجتماع والأخلاق والتربية وقد قدمت لنا هذه الآثار على أنها علوم أصيلة وليست فروضًا قابلة للخطأ والصواب أو وجهات نظر تمثل أممها وأصحابها، ولم تسبق هذه الدراسات أو تلحق بما يكشف أمام القارئ العربي والمسلم مكانها من فكر أمتها وموقفنا كفكر له منهج متكامل جامع منها وبذلك زيفت هذه الترجمات كثيرًا من لالعقول وأفسدت كثيرًا من النفوس وخلقت أجيالًا مضطربة لأنها استطاعت أن تقرأ الفكر الغربي (القائم على عقائد ومفاهيم وقيم وإيديولوجيات) تختلف عن فكرنا الإسلامي العربي وكان القائمون على هذه الأعمال في الأغلب من خصوم هذه الأمة وفكرها ومن الراغبين إلى اتخاذ سلاح الترجمة سبيلًا إلى هدم هذه المقومات.