فهرس الكتاب

الصفحة 22528 من 27345

ولقد كانت الترجمة في أول أمرها في عصر محمد علي على النحو الذي قام به رفاعة الطهطاوي ومدرسة الترجمة الأولى بالغ الأصالة فقد عمد إلى تقديم نتاجه مدروسًا وجادًا ومغطيًا لجوانب كثيرة فقيرة وخاصة في لمجال العلوم التجريبية والطبيعية وغيرها، غير أن النفوذ الأجنبي لم يلبث أن سيطر من بعد على هذه الحركة وحولها إلى ترجمات القصص المكشوف وفنونًا مختلفة من أهواء النفس وضلالات الفكر البشري.

وهكذا استطاع التغريب والغزو الثقافي أن يحجب عن المسلمين والعرب ما كانوا في حاجة إلى ترجمته من الفكر الغربي (وهي مجالات العلوم التجريبية والطبيعية وغيرها) وطرح في أفق الترجمات ركامًا مضطربًا عاصفًا يرمي إلى هدم ذلك الحائط النفسي المرتفع القائم في النفس المسلمة بالحق والتقوى والكرامة والفضيلة والعفاف ويصور الإباحيات الجنسية على أنها شرعة المجتمع المباحة كما يصور الجريمة على أنها ظاهرة طبيعية ويصل تأثير هذه المترجمات المسمومة إلى جمع مقررات العقائد والأخلاق والإجماع والتدين حيث يوجد تباين واضح وخلاف عميق بين مفاهيم الغرب والإسلام حيث تقوم الحياة الاجتماعية على عبادة الجسد وتقديس الجمال والنظر إلى العلاقات الجنسية نظرة حرة بعيدة عن القداسة والعفاف والإيمان بالبكارة، وحيث تختلط الصور في هذه الترجمات المطروحة فتحدث آثارها الخطيرة في النفس العربية الإسلامية حتى تصل إلى صميم العقيدة نفسها.

ولقد كان لهذه الترجمات آثارها البعيدة في هدم طبائع الأمة التي تختلف تمامًا، وفي التمرد على وجودنا وطبيعتنا تحت تأثير الانبهار بهذا الجانب من مدينة الغرب القائم على الزخرف والأضواء والرقص والفنون.

كذلك كان من أسوأ آثار الترجمة ذلك الخلط الشائن بين المذاهب المتعارضة والنظريات المضادة، وهي نظريات متفاوتة، ولكنها حين نقلت إلى فكرنا الإسلامي أريد طرحها جملة باضطرابها واختلافها لتكون عاملًا شديد التأثير في إفساد هذا الفكر والإدالة منه.

ومن العجب أن ننقل ونترجم آثار الفكر الغربي اليوم وهو يمر بمرحلة الأزمة والانهيار والهزيمة، ثوقد أحيط به واحتوته مقررات التلمودية وبروتوكولات صهيون وآوى أهله إلى ذلك الإحساس الرهيب بالغربة والقلق والتمرد والغثيان فنقل مسرح العبث واللا معقول واللا أدب واللا فن ومثل هذه الفنون المهومة المضطربة التي لسنا في حاجة إليها ولا هي تستطيع أن تعطينا شيئًا يعيننا على بناء أنفسنا أو فكرنا أو أمتنا وخاصة ما كتبه سارتر وكامي ومالرو من أحاسيس بالرعب والفزع والاضطراب نتيجة ذلك الانفصال الشائن عن العقيدة والدين والأخلاق وهي في مجموعها الفطرة التي لا تستطيع النفس الإنسانية أن تتجاهلها أو تحتويها.

كذلك فإن هذه الترجمات تصور الفرد الغربي وهو يحتقر الأخلاق ويسخر من الرحمة والصدف والعفة والشرف ويحتقر الوطنية ويضحك من الإخلاص للمجتمع ويستخف بفكرة الأسرة والعائلة.

وتجد مثل هذه الترجمات تحمل ذلك المثل الرديء بأن لا يحب الإنسان أحدًا ولا يخدم أي مثل أو دين أو مبدأ، ويعتبر ذلك تقييدًا لحريته وما يتصل بهذا من إنكار لله تبارك وتعالى وتهجم بالعبارات الرديئة عليه على النحو الذي عرف عن نيتشه وسارتر وبيراندللو وفضلًا عن إحياء الأساطير واتخاذها أساسًا لنظريات في علم النفس والأخلاق والاجتماع أو مصادر لمفاهيم الأنثروبولوجيا وغيرها من المفاهيم.

هذه السموم جميعها تترجم إلى لغتنا العربية إلى أدبنا وفكرنا دون أن يقول لنا مترجموها ما هو الحق فيها وما هو الزيف، وما موقفنا منها كأمة لها عقيدتها وفكرها ومفاهيمها وقيمها.

وبذلك يطرحون في أفق مجتمعنا الإسلامي موجة زائفة من اليأس والتشاؤم والملل وازدراء الحياة مما لا يتفق مع طبيعتنا المتفائلة المؤمنة بالله التي لا تخاف شيئًا والتي تعتصم دائمًا برضوان الله ورحمته.

ولعل هذه السموم التي تطرحها حركة الترجمة من أخطر ما يواجه حركة اليقظة الإسلامية اليوم ويضع أمامها صخورًا تحول بينها وبين إكمال المسيرة إلى الحق وتحجب كثيرًا من حقائق الإسلام وتفسد العقول والقلوب في أعماق شبابنا وأجيالنا الجديدة وحسبما تقول الدكتورة نازك الملائكة: ما من شيء يستطيع أن يفسد علينا جهودنا مثل تبنينا لهذا الفكر الغربي المريض فإذا اتخذ شبابنا نماذجه الأدبية والفكرية من أعلام الغرب المعاصر مثل سارتر ومورافيا وكافكا فالي أين سينتهي؟.

ونحن نقول أننا أشد ما نكون حاجة إلى أن نتنبه ونحذر مثل هذا الفكر الوافد وأن نقف منه موقف التحفظ وأن نكشف حقيقته لأبنائنا ونقدمه في صراحة ووضوح ونقول لهم إن هذه المفاهيم ليست مفاهيم المجتمع الإسلامي العربي ولن تكون للاختلاف العميق في الأسس والمصادر والمقومات والقيم والعقائد بين فكرنا وبين هذا الفكر وبيننا وبين الغرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت